علي جمعة باكيًا: الناس فاهمة ربنا غلط.. والعبادة ليست مجرد طقوس شكلية
تحدث الدكتور علي جمعة عن طبيعة العلاقة بين الإنسان وربه، مؤكدًا أن كثيرًا من الناس يسيئون فهم هذه العلاقة ويتعاملون مع الله سبحانه وتعالى بطريقة لا تعكس عظمته وجلاله، مشددًا على ضرورة إدراك مكانة الله وفهم العبادة بشكل صحيح حتى يتحقق التقرب الحقيقي إلى الخالق.
جاء ذلك خلال حديثه في برنامج «اعرف دينك» المذاع على قناة قناة صدى البلد، حيث تناول مفهوم التسليم لله والخضوع لأمره، مستعرضًا قصة تاريخية مرتبطة بالشخصية المثيرة للجدل الحجاج بن يوسف الثقفي، باعتبارها نموذجًا للتفكير في التوبة وفهم العلاقة بين العبد وربه.
وقال علي جمعة إن هناك خطأ شائعًا في فهم علاقة الإنسان بربه، موضحًا أن البعض يتعامل مع الله وكأنه مجرد صديق أو طرف عادي في الحياة اليومية، وهو أمر غير صحيح على الإطلاق. وأضاف أن الله سبحانه وتعالى عظيم وقوي وحكيم، وأن التعامل معه يجب أن يكون قائمًا على التعظيم والخشوع والفهم الصحيح لعظمة الخالق.
وأشار إلى أن بعض الأعمال الدرامية أو الأفلام تقدم صورة غير دقيقة عن العلاقة بين الإنسان وربه، لافتًا إلى أن بعض العبارات التي تُقال في تلك الأعمال، مثل التساؤل بطريقة اعتراضية: "ليه يا رب كده؟"، تعكس فهمًا سطحيًا لعظمة الله، وتختزل العلاقة مع الخالق في منظور ضيق لا يليق بجلاله وقدرته.
وخلال حديثه تأثر علي جمعة وبكى وهو يشرح خطورة هذا الفهم الخاطئ، مؤكدًا أن العبادة ليست مجرد كلمات أو طقوس تؤدى بشكل شكلي، بل هي حالة من الإدراك العميق لعظمة الله والتسليم لأمره.
وفي سياق حديثه، استعرض قصة الحجاج بن يوسف الثقفي، موضحًا أن هذه الشخصية التاريخية المعروفة بالشدة والبطش كانت في الأصل حافظة للقرآن الكريم، وأنه كان يختم القرآن كل سبعة أيام، مشيرًا إلى أنه نشأ في بيئة علمية في مدينة الطائف وكان يهتم بحفظ القرآن وتلاوته.
وأضاف أن الحجاج، رغم ما ارتبط باسمه من أحداث تاريخية دموية، كان لديه إدراك لعظمة الله، واستشهد بقصة قتله للعالم التابعي الجليل سعيد بن جبير، وهي الواقعة التي هزت كثيرًا من المسلمين في ذلك الوقت.
وأوضح علي جمعة أن سعيد بن جبير دعا على الحجاج قبل مقتله، وقال: "اللهم لا تمكنه من أحد بعدي"، مشيرًا إلى أن الحجاج بعد هذه الواقعة أصيب بحالة من الندم الشديد، وكان يلوم نفسه ويبكي ويقول: "مالي ومال سعيد؟".
وأضاف أن الحجاج لم يعش طويلًا بعد تلك الحادثة، حيث توفي بعد أيام قليلة، مشيرًا إلى أن تلك الأيام شهدت حالة من التأثر والندم لديه، ما جعله يتوجه بالدعاء إلى الله طالبًا المغفرة.
وأكد علي جمعة أن هذه القصة تحمل رسالة مهمة تتعلق بفهم باب التوبة في الإسلام، موضحًا أن رحمة الله واسعة وأن الله قادر على مغفرة الذنوب لمن يتوب بصدق، حتى لو كانت ذنوبه عظيمة.
وأشار إلى أن البعض قد يستغرب فكرة أن الله قد يغفر لشخص ارتكب أخطاء كبيرة في حياته، لكن الإسلام يؤكد أن التوبة الصادقة يمكن أن تمحو الذنوب، لأن الله سبحانه وتعالى هو الغفور الرحيم.
وأوضح أن الهدف من عرض هذه القصة ليس تبرير الأخطاء، وإنما التأكيد على فهم رحمة الله والتسليم لحكمه، وعدم التسرع في الحكم على مصير الأشخاص، لأن ذلك الأمر في النهاية بيد الله وحده.
وشدد علي جمعة على أن العبادة الحقيقية لا تقتصر على أداء الشعائر الدينية فقط، بل يجب أن تقود الإنسان إلى فهم أعمق لعلاقة العبد بربه، وأن تزرع في قلبه الخشوع والتواضع والتسليم لأمر الله.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن المطلوب من المسلمين هو إعادة فهم معنى العبادة، بحيث لا تكون مجرد أداء شكلي للصلاة أو الصيام أو غيرها من الشعائر، بل وسيلة لفهم الله والتقرب إليه وإصلاح النفس، مشددًا على أن الإدراك الصحيح لعظمة الله هو أساس العبادة الحقيقية التي تغير حياة الإنسان وتجعله أكثر قربًا من خالقه.