ليس مجرد شبع.. كيف يحمينا القرآن من أمراض العصر عبر آداب الطعام؟
أكد الدكتور أحمد عصام فرحات أن القرآن الكريم لم يتناول مسألة الطعام والشراب باعتبارها مجرد وسيلة لإشباع الجوع، بل قدم منظومة متكاملة من القيم والآداب التي تهدف إلى حماية الإنسان صحيًا وروحيًا، مشيرًا إلى أن الالتزام بهذه الآداب يمكن أن يساهم في الوقاية من كثير من المشكلات الصحية والاجتماعية التي يعاني منها العالم المعاصر.
جاء ذلك خلال حديثه في برنامج «اقرأ وربك الأكرم» المذاع عبر قناة صدى البلد، حيث تناول مفهوم الاعتدال في الطعام كما ورد في القرآن الكريم، موضحًا أن الإسلام وضع ضوابط واضحة للتعامل مع نعم الله، وعلى رأسها نعمة الطعام والشراب.
نعمة الطعام في القرآن الكريم
أوضح الدكتور أحمد عصام فرحات أن القرآن الكريم يلفت نظر الإنسان إلى عظمة النعم التي أنعم الله بها عليه، ومن أبرزها نعمة الطعام، التي قد يغفل كثير من الناس عن التفكير في مصدرها وكيفية وصولها إليهم.
وأشار إلى أن القرآن يدعو الإنسان إلى التأمل في هذه النعمة، مستشهدًا بقول الله تعالى في سورة عبس:
«فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ».
وأكد أن هذه الآيات الكريمة تذكر الإنسان بسلسلة طويلة من النعم التي سخرها الله لخدمته، بدءًا من نزول المطر، مرورًا بشق الأرض ونمو النباتات، وصولًا إلى تنوع المحاصيل والثمار التي يعتمد عليها الإنسان في غذائه.
الإسلام لا يمنع الطيبات لكنه يدعو للاعتدال
وأوضح الدكتور أحمد عصام فرحات أن الإسلام لا يمنع الإنسان من الاستمتاع بنعم الله من الطعام والشراب، بل على العكس يبيح له الطيبات ويشجعه على شكر الله عليها.
واستشهد في هذا السياق بقول الله تعالى في سورة الأعراف:
«يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ».
وأشار إلى أن هذه الآية الكريمة تجمع بين الإباحة والتنظيم في آن واحد، فهي تسمح للإنسان بالأكل والشرب والاستمتاع بما رزقه الله، لكنها في الوقت نفسه تضع حدًا واضحًا يتمثل في عدم الإسراف أو الإفراط.
وأضاف أن الاعتدال في الطعام يمثل أحد المبادئ الأساسية في الإسلام، حيث يهدف إلى الحفاظ على صحة الإنسان وتجنب الأضرار الناتجة عن الإفراط في تناول الطعام.
علاقة آداب الطعام بصحة الإنسان
وأوضح الدكتور أحمد عصام فرحات أن كثيرًا من الأمراض المنتشرة في العصر الحديث ترتبط بشكل مباشر بسلوكيات غذائية خاطئة، مثل الإفراط في الطعام أو تناول أطعمة غير صحية بكميات كبيرة.
وأشار إلى أن القرآن الكريم عندما دعا إلى الاعتدال في الطعام، فإنه في الحقيقة يقدم توجيهًا وقائيًا يحمي الإنسان من كثير من الأمراض التي يعاني منها الناس اليوم، مثل السمنة وأمراض القلب والسكري.
وأكد أن الالتزام بتعاليم الإسلام في هذا المجال يمكن أن يحقق توازنًا صحيًا في حياة الإنسان، حيث يجمع بين الاستمتاع بنعم الله والحفاظ على الصحة الجسدية.
البعد الروحي للطعام في الإسلام
ولفت إلى أن الطعام في الإسلام ليس مجرد عملية بيولوجية لتغذية الجسد، بل يحمل بعدًا روحيًا أيضًا، حيث يرتبط بشكر الله والتفكر في نعمه.
وأوضح أن المسلم عندما يتأمل في مصدر الطعام وكيفية وصوله إليه، يدرك حجم النعم التي أنعم الله بها عليه، مما يدفعه إلى شكر الله وعدم التبذير أو الإسراف في هذه النعم.
وأضاف أن القرآن الكريم يربي الإنسان على الشعور بالمسؤولية تجاه هذه النعم، بحيث يستخدمها فيما ينفعه وينفع الآخرين، دون أن يتحول الاستهلاك إلى إسراف أو تبذير.
دعوة للتأمل في نعم الله
وأكد الدكتور أحمد عصام فرحات أن القرآن الكريم لا يكتفي بذكر النعم فقط، بل يدعو الإنسان إلى التفكير والتأمل فيها، لأن هذا التأمل يعزز الإيمان ويقوي العلاقة بين الإنسان وربه.
وأشار إلى أن الإنسان عندما يتفكر في كيفية نزول المطر ونمو النباتات وتنوع الثمار، يدرك عظمة قدرة الله وحكمته في تدبير الكون.
وأضاف أن هذا التأمل لا يقتصر على الجانب الروحي فقط، بل ينعكس أيضًا على سلوك الإنسان، حيث يدفعه إلى تقدير النعم والحفاظ عليها وعدم إهدارها.
مواجهة ثقافة الإسراف في العصر الحديث
وتحدث الدكتور أحمد عصام فرحات عن ظاهرة الإسراف في الطعام التي أصبحت منتشرة في كثير من المجتمعات، خاصة مع انتشار ثقافة الاستهلاك المفرط.
وأوضح أن الإسلام حذر من هذه الظاهرة منذ قرون طويلة، عندما دعا إلى الاعتدال في الطعام والشراب، مؤكدًا أن الإسراف لا يضر الفرد فقط، بل يضر المجتمع أيضًا لأنه يؤدي إلى إهدار الموارد.
وأشار إلى أن الالتزام بآداب الطعام التي وردت في القرآن الكريم يمكن أن يسهم في بناء مجتمع أكثر توازنًا ووعيًا بقيمة النعم التي أنعم الله بها على الإنسان.
رسالة القرآن للإنسان المعاصر
واختتم الدكتور أحمد عصام فرحات حديثه بالتأكيد على أن القرآن الكريم يقدم للإنسان منهج حياة متكاملًا، يشمل جميع جوانب الحياة بما فيها الطعام والشراب.
وأوضح أن هذه التعاليم لا تهدف فقط إلى تنظيم حياة الإنسان، بل تسعى أيضًا إلى حمايته من كثير من المشكلات الصحية والاجتماعية التي يعاني منها العالم اليوم.
وأكد أن الالتزام بتعاليم القرآن في الاعتدال والشكر والتفكر في نعم الله يمكن أن يكون وسيلة فعالة لمواجهة كثير من أمراض العصر، مشددًا على أن الإنسان إذا أدرك قيمة النعم التي بين يديه سيحرص على استخدامها بشكل صحيح دون إفراط أو تبذير.