قطاع الغزل والنسيج المصري: قفزة تاريخية في الصادرات وخطط طموحة لغزو أوروبا
تواصل الدولة المصرية خطواتها الواثقة نحو تعزيز مكانتها كقوة صناعية وتصديرية كبرى في قطاع الغزل والمنسوجات على الخريطة الدولية، وهو ما تجسد بوضوح من خلال المشاركة الفعالة للمجلس التصديري للغزل والمنسوجات، برئاسة المهندس هاني سلام، في فعاليات معرض "Fast Textile Fabrics" الدولي الذي احتضنته بولندا في الفترة من 10 إلى 12 مارس 2026.
وتأتي هذه المشاركة في توقيت استراتيجي للغاية، حيث تسعى الصناعة الوطنية إلى استثمار النجاحات التي تحققت مؤخراً لفتح آفاق جديدة للتعاون مع الشركاء الدوليين، وتحديدا في السوق الأوروبي الذي يمثل أحد أهم الوجهات التصديرية للمنتجات المصرية، مما يعزز من فرص جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى هذا القطاع الحيوي الذي يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد القومي المصري.
استكشاف السوق البولندي
قادت الأستاذة رشا فهيم، المدير التنفيذي للمجلس التصديري، تحركات مكثفة خلال أيام المعرض بهدف اكتشاف وتحليل الفرص التصديرية المتاحة في السوق البولندي، والذي يُصنف حالياً كواحد من أكثر الأسواق الواعدة والجاذبة في القارة الأوروبية.
وتستند رؤية المجلس في استهداف بولندا إلى كونها مركزاً لوجستياً مهماً في وسط أوروبا، مما يسهل نفاذ المنتجات المصرية إلى الدول المجاورة.
وقد ركزت الجهود على بناء جسور تواصل مباشرة مع كبار المستوردين والمصنعين البولنديين، للتعريف بالجودة الفائقة للمنسوجات المصرية التي باتت تلتزم بأعلى المعايير البيئية والتقنية العالمية، وهو ما يتماشى مع التوجهات الأوروبية الحديثة نحو الاستدامة والإنتاج الأخضر في قطاع النسيج والملابس.

مصر ومركز الـ Nearshoring
شهد المعرض جلسة نقاشية رفيعة المستوى تحت عنوان "مصر- المركز الصاعد لنموذج الـ Nearshoring في مجال توريد المنسوجات"، حيث استعرض المجلس التصديري خلالها المقومات الاستثنائية التي تجعل من مصر الوجهة المثالية لهذا النموذج الاقتصادي العالمي الجديد.
ويقصد بالـ "Nearshoring" توجه الشركات الكبرى لنقل مراكز تصنيعها وتوريدها إلى دول قريبة جغرافياً من أسواقها الرئيسية لتقليل المخاطر اللوجستية، وهنا تبرز مصر كخيار أول للقارة الأوروبية بفضل موقعها الجغرافي الفريد الذي يربط بين ثلاث قارات، وقربها الشديد من الموانئ الأوروبية، مما يضمن سرعة التوريد وتقليل تكاليف الشحن بشكل جذري مقارنة بالمنافسين في شرق آسيا، وهو عنصر حاسم في صناعة الموضة والمنسوجات التي تتسم بالتغير السريع والمستمر.
تكامل سلاسل القيمة

أبرزت المشاركة المصرية في بولندا مدى التطور الذي شهده هيكل الإنتاج المحلي، حيث تم تسليط الضوء على تكامل سلسلة القيمة في صناعة الغزل والنسيج بمصر، والتي تبدأ من زراعة القطن طويل التيلة عالي الجودة، مرورا بمراحل الغزل والنسيج والتجهيز، وصولاً إلى صناعة الملابس الجاهزة والمنسوجات المنزلية النهائية.
هذا التكامل يمنح المصدر المصري قدرة تنافسية عالية ومرونة كبيرة في تلبية الطلبيات الضخمة والمعقدة، فضلاً عن ضمان الرقابة الصارمة على الجودة في كل مرحلة من مراحل التصنيع. كما تم استعراض الطفرة التكنولوجية التي شهدتها المصانع المصرية مؤخراً، من خلال إدخال أحدث خطوط الإنتاج العالمية التي ترفع الكفاءة الإنتاجية وتقلل الهدر، مما يضع المنتج المصري في مرتبة متقدمة عالمياً.
أرقام تصديرية قياسية
لم تكن هذه التحركات الدولية وليدة الصدفة، بل جاءت مدعومة بنتائج قوية حققها القطاع على أرض الواقع، حيث كشف المجلس التصديري للغزل والمنسوجات عن أداء استثنائي خلال العام الماضي.

فقد سجلت صادرات القطاع نحو 1.167 مليار دولار خلال عام 2025، محققة نمواً ملموساً مقارنة بـ 1.149 مليار دولار في عام 2024، وهذا الرقم يمثل أعلى قيمة صادرات سنوية في تاريخ قطاع الغزل والمنسوجات المصري على الإطلاق. ويعكس هذا النمو المستدام قدرة الصناعة الوطنية على الصمود ومواجهة التحديات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، بل وتحويل هذه التحديات إلى فرص من خلال سد الفجوات التي تركتها التحولات في سلاسل الإمداد الدولية نتيجة الأزمات العالمية المتلاحقة، مما أكد ثقة المشتري الدولي في المورد المصري.

رؤية استراتيجية للمستقبل
أكد المهندس هاني سلام أن استراتيجية المجلس لا تتوقف عند زيادة الأرقام التصديرية فحسب، بل تمتد لتشمل ترسيخ علامة "صنع في مصر" كرمز للجودة والموثوقية في المحافل الدولية.
إن المشاركة في فعاليات مثل معرض بولندا هي جزء من خطة ترويجية شاملة تستهدف تنويع الأسواق وعدم الاعتماد على وجهات تقليدية فقط.
ويسعى المجلس من خلال الترويج لنموذج الـ Nearshoring إلى جذب كبريات البراندات العالمية لإنشاء مراكز توريد دائمة لها من مصر، مستفيدة من الاتفاقيات التجارية التفضيلية التي وقعتها مصر مثل اتفاقية الشراكة المصرية الأوروبية، والتي تمنح المنتجات المصرية ميزة الإعفاء الجمركي عند دخول الأسواق الأوروبية، مما يرفع من تنافسية السعر المصري مقابل المنتجات القادمة من دول لا تتمتع بنفس المزايا.
الاستدامة والتحول الرقمي
في سياق متصل، أشار التقرير الصادر عن المجلس إلى أن المصانع المصرية باتت تدرك جيداً متطلبات المرحلة القادمة، حيث يتم حالياً التوسع في استخدام الطاقة المتجددة وتطوير منظومات معالجة المياه وإعادة تدوير النفايات النسيجية لتلبية اشتراطات "الميثاق الأخضر" الأوروبي.
هذا التحول نحو الاستدامة هو ما جعل الجلسة النقاشية في بولندا تحظى باهتمام واسع من المستثمرين، حيث لم تعد القدرة التنافسية تعتمد على السعر فقط، بل على مدى توافق المنتج مع المعايير البيئية والاجتماعية.
وتزامن ذلك مع استثمارات ضخمة في البنية التحتية التكنولوجية داخل المناطق الصناعية المصرية، مما يسهل عمليات التتبع الرقمي للمنتجات من المنشأ وحتى وصولها للمستهلك النهائي، وهو مطلب أساسي في الأسواق المتقدمة حالياً.
إن نجاح المشاركة المصرية في معرض بولندا يفتح الباب على مصراعيه أمام موجة جديدة من التعاقدات التصديرية التي ستنعكس آثارها على أداء القطاع خلال العام الجاري 2026. فالتواجد في قلب أوروبا والتحدث بلغة الأرقام والمميزات اللوجستية قد وضع مصر في بؤرة اهتمام صانعي القرار في سلاسل التوريد العالمية. ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة توقيع عدة بروتوكولات تعاون مع شركات بولندية وأوروبية لإنشاء خطوط إنتاج مشتركة أو لزيادة الحصص الاستيرادية من الغزول والمنسوجات المصرية. وبذلك، يثبت قطاع الغزل والمنسوجات أنه قادر على أن يكون القاطرة التي تقود الصادرات غير البترولية المصرية نحو آفاق غير مسبوقة، مساهماً بشكل فعال في تحقيق رؤية الدولة للوصول بالصادرات المصرية إلى حاجز الـ 100 مليار دولار.