يعد الأستاذ الدكتور سامي عبدالعزيز، العميد الأسبق لكلية الإعلام جامعة القاهرة رحمه الله، نموذجا استثنائيا يجمع بين الهيبة الأكاديمية الرفيعة والإنسانية العميقة التي تسبق قراراته وتوجهها.
فهو من ذلك الطراز النادر من القادة الذين يرون في المنصب مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون سلطة، وفي التعامل مع البشر رسالة قبل أن يكون مجرد أداء وظيفي.
وقد عرف عنه أنه قد يسهر ليله قلقا إذا بلغه أن في نفس أحد من المحيطين به شيئا تجاهه، فلا يهدأ حتى يسعى بنفسه لإزالة أي سوء فهم، في موقف يعكس صفاء سريرته ونقاء معدنه.
هذا الحس الإنساني العالي يجعله أحيانا يراجع أكثر قراراته صرامة إذا شعر أنها قد تترك أثرا نفسيا ثقيلا على من حوله أو تسبب ضيقا لم يكن يقصده.
وتتجلى قوة شخصيته في قدرته الاستثنائية على التسامح، فالخصومة لا تجد طريقا إلى قلبه، والضغينة لا تعرف إليه سبيلا. يمتلك شجاعة أخلاقية حقيقية تجعله يبادر بالسؤال عمن اختلف معه، ويقف بجواره في لحظات محنته قبل أن يسمع منه اعتذارا.
بالنسبة له، المبادرة بالخير ليست مجاملة عابرة بل مبدأ حياة، والترفع عن الصغائر ليس ضعفا بل قمة القوة والنبل.

وبعيدا عن الأضواء، يمارس الدكتور سامي شغفه الحقيقي بفعل الخير في صمت، حيث يرى أن العطاء العلني يفقد جزءا من قيمته، لذلك يختار دائما أن يكون عطاؤه خفيا لا تشهده إلا القلوب ولا تعلمه إلا عين الله.
ويظهر هذا التواضع بوضوح في إخلاصه العميق لعمله وفي علاقته بطلابه وزملائه، فهو بالنسبة لهم أب قبل أن يكون أستاذا، وصديق قبل أن يكون عميدا، ومرجع أخلاقي قبل أن يكون اسما كبيرا في عالم الإعلام.
وإذا كانت أخلاقه الإنسانية قد صنعت له مكانة خاصة في قلوب كل من عرفوه، فإن عقليته المفكرة ورؤيته الاستراتيجية تمنحه بعدا آخر لا يقل أهمية: فهو يمتلك قدرة لافتة على قراءة تحولات المشهد الإعلامي واستشراف مستقبله، ويملك فكرة أن تطوير المؤسسات الكبرى يرتبط بالعقول الحرة والأفكار الجريئة.
ولو أتيحت لهذه الرؤية أن تتحقق بالكامل خلال فترة عمادته، لكانت كلية الإعلام قد خطت خطوات واسعة نحو مصاف الكليات الأكثر تأثيرا وريادة في العالم العربي، مستندة إلى مشروع علمي وتطويري واضح المعالم.
هكذا يبدو أستاذي الأستاذ الدكتور سامي عبدالعزيز في عيون من عرفوه عن قرب: عقل يفكر بعمق، وقلب يتسع للجميع، وشخصية قيادية تجمع بين الحزم والرحمة، وبين الرؤية والضمير.
ولذلك لم يكن الأستاذ الدكتور سامي عبد العزيز مجرد عميد لكلية أو أستاذ في جامعة، بل تجربة إنسانية وأخلاقية تركت أثرها العميق في كل من تواصل معه
رحمك الله أستاذي الغالي، وغفر الله لك، وجعل علمك في ميزان حسناتك.