ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

مقدمة: في خريف عام 1973، وبينما كانت شمس الشرق الأوسط تغيب خلف غبار معارك حرب أكتوبر المجيدة، اهتز العالم على وقع قرار استراتيجي غيّر وجه الاقتصاد العالمي إلى الأبد وهو:

استخدام النفط كسلاح. في غضون أشهر قليلة، قفزت أسعار برميل النفط بنسبة تقارب 300%، من ثلاثة دولارات إلى ما يقارب اثني عشر دولاراً.

في قلب هذه العاصفة، وجدت دولة جزرية بعيدة نفسها مكشوفة تماماً؛ كانت تلك هي اليابان، التي تعتمد بنسبة 99% على النفط المستورد، وتستجلب أكثر من ثلاثة أرباع احتياجاتها من منطقة الشرق الأوسط الملتهبة.

هنا، وفي خضم الفوضى، يبرز سؤال محوري ظل يتردد في أروقة السياسة والاقتصاد لعقود: 

  • كيف لدولة لا تملك قطرة نفط واحدة أن تنهض من ركام أزمة وجودية لتقود العالم في كفاءة الطاقة؟ 
  • وفي المقابل، كيف تقف مصر ، التي حباها الله بشمس ساطعة ورياح عاتية وموارد لا تنضب، مكبلةً بقيود التشتت التشريعي والبطء البيروقراطي؟

 إنها قصة رحلتين متوازيتين، من طوكيو إلى القاهرة، تكشفان أن بناء الأمم لا يقاس بوفرة الموارد، بل بحكمة صياغة القوانين وصلابة المؤسسات.

الفصل الأول

"الصدمة" - ولادة العزيمة من رحم المعاناة”

لم تكن أزمة 1973 مجرد أرقام على شاشات البورصات العالمية، بل كانت زلزالاً اجتماعياً ضرب الشارع الياباني في الصميم. ولأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، انكمش الاقتصاد الياباني بنسبة 1.3% بالسالب، بينما ضرب التضخم الجامح الأسواق ليسجل معدلات تاريخية بلغت 23.8% في عام 1974 . وامتد الرعب إلى كل بيت، وتدافع المواطنون في طوابير لا نهاية لها لتخزين السلع الأساسية، من ورق التواليت إلى الملح والسكر، في ظاهرة عُرفت بـ "الذعر الاستهلاكي" . بدا وكأن المعجزة اليابانية التي أبهرت العالم على وشك الانهيار.

لكن من رحم هذه المعاناة، وُلدت عزيمة من نوع آخر. في الوقت الذي كانت فيه الحكومة اليابانية تسابق الزمن لصياغة قوانين الطوارئ، قدمت شركة "تويوتا موتور" درساً بليغاً في الشجاعة المؤسسية. فبينما سارعت الشركات المنافسة إلى تكديس الإنتاج والمخزون خوفاً من المستقبل المجهول، اتخذت إدارة تويوتا قراراً صادماً وجريئاًوهو: 

خفض الإنتاج بشكل فوري وحاد. لم يكن هذا انتحاراً اقتصادياً، بل كان تطبيقاً صارماً لفلسفة "الإنتاج في الوقت المناسب" (Just-in-Time)، التي تهدف إلى القضاء التام على الهدر.

لم تكتفِ تويوتا بالدفاع، بل انتقلت إلى الهجوم المضاد. ففي صيف 1974، أطلقت "عملية T23"، وهي حملة تسويقية جريئة استهدفت بيع 230 ألف سيارة موفرة للوقود في شهرين فقط. وبتركيزها على طراز "كورولا" المدمج والاقتصادي، غزت تويوتا الأسواق العالمية، خاصة الولايات المتحدة التي كان مستهلكوها يئنون تحت وطأة طوابير البنزين الطويلة. لقد حوّلت تويوتا الانكماش المحلي إلى بوابة للتوسع الدولي، وأرست دعائم هيمنتها العالمية التي نشهدها اليوم.

الفصل الثاني

 "الهندسة التشريعية" - بناء الحصن بالقانون 

أدركت الحكومة اليابانية أن المبادرات الفردية للشركات، مهما بلغت عبقريتها، لن تكفي لإنقاذ اقتصاد دولة بأكملها. من هنا، بدأت رحلة فريدة من "الهندسة التشريعية"، حيث تم استخدام القانون كأداة جراحية دقيقة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر استدامة. لم تكن مجرد ردة فعل، بل كانت رؤية استراتيجية طويلة الأمد امتدت على مدار عقدين من الزمن.

بدأت الملحمة بـ "قانون تنظيم العرض والطلب على النفط" لعام 1973، وهو قانون طوارئ منح الدولة سلطات استثنائية للتدخل المباشر في السوق، وتحديد حصص إلزامية من الوقود على كبار المستهلكين في القطاع الصناعي . هذا الإجراء لم يكن مجرد تقنين للاستهلاك، بل كان حافزاً إجبارياً للابتكار؛ فعندما أدركت المصانع أن حصتها من الطاقة محدودة بقوة القانون، لم يكن أمامها خيار سوى الاستثمار فوراً في تقنيات إنتاج جديدة تستهلك وقوداً أقل.

ثم جاءت الضربة الأكثر دقة في عام 1979 مع "قانون ترشيد استخدام الطاقة"، الذي لم يكتفِ بتحديد الحصص، بل فرض معايير كفاءة الطاقة كالتزام قانوني على المصانع، وألزمها بتعيين "مديري طاقة" مرخصين ومسؤولين عن تنفيذ خطط خفض الاستهلاك. وتوجت هذه المسيرة بـ "قانون تعزيز تطوير وإدخال الطاقة البديلة" لعام 1980، الذي أثمر عن تأسيس منظمة "NEDO" العريقة[1]، وهي ذراع الحكومة لتمويل الابتكار وتوجيه بوصلة الصناعة نحو التكنولوجيا النظيفة.

ولم يكتفِ المشرع الياباني بذلك، بل ابتكر في عام 1998 نظام "العدّاء الأول" (Top Runner Program)[2]، وهو آلية تشريعية عبقرية. فبدلاً من وضع معايير كفاءة دنيا متواضعة، يقوم النظام بتحديد المنتج الأكفأ والأقل استهلاكاً للطاقة في السوق (العدّاء الأول)، ويجعله هو المعيار الإلزامي الذي يجب على جميع الشركات الأخرى الوصول إليه خلال فترة زمنية محددة. هذا النظام يجبر السوق بأكمله على التسابق نحو الابتكار، ويحول المنافسة من خفض التكلفة إلى التفوق التكنولوجي.

ولم تكن هذه القوانين حبراً على ورق، فقد وقف القضاء الياباني حارساً يقظاً. ففي "قضية تكتل النفط" الشهيرة عام 1984، ورغم محاولة الشركات الاحتماء خلف "التوجيهات الإدارية" الحكومية لتبرير تنسيق الأسعار، قضت المحكمة العليا بإدانتهم، مرسخةً مبدأ أن قوانين الطوارئ لا تمنح القطاع الخاص صكاً على بياض لاستغلال الأزمات وانتهاك قواعد المنافسة العادلة وممارسة الاحتكار.

الفصل الثالث

 "الفجوة النائمة" - طموح يعانق السماء وواقع مقيد

نترك الآن الأرخبيل الياباني ونحط رحالنا على ضفاف النيل، لنرى صورة مختلفة تماماً، صورة تحمل في طياتها مفارقة كبرى. هنا في مصر، لا ينقصنا الطموح؛ فطموحاتنا تعانق السماء، وتتجلى في "الاستراتيجية المتكاملة للطاقة المستدامة" (ISES) التي تهدف للوصول بنسبة الطاقة المتجددة إلى 42% بحلول عام 2030، والقفز بها لتتجاوز 60% بحلول عام 2040. ولدينا استثمارات ضخمة مرصودة تبلغ 136.3 مليار جنيه مصري في قطاع الكهرباء والطاقة المتجددة للسنة المالية 2025/2026 وحدها .

والأهم من ذلك، لدينا حصن دستوري منيع. فدستور 2014، في مواده 44 و45 و46، يكرس الحق في بيئة صحية سليمة كواجب وطني، ويلزم الدولة بحماية مواردها الطبيعية وضمان حقوق الأجيال القادمة. 

وقد أرسى القضاء المصري، ممثلاً في المحكمة الدستورية العليا ومجلس الدولة، سوابق قضائية مجيدة في التصدي للتلوث، كما في قضية "أسمنت تيتان" الشهيرة، حيث اعتبرت المحكمة جرائم التلوث جرائم مستمرة لا تسقط بالتقادم.

لكن هنا تكمن المفارقة، أو ما يمكن تسميته "الفجوة النائمة لنصف قرن". فبينما نمتلك كل هذه المقومات، لا نزال ندير هذا القطاع الحيوي بأدوات تشريعية مجزأة. نعتمد على قوانين متفرقة مثل القانون رقم 203 لسنة 2014 للطاقة المتجددة، والقانون رقم 2 لسنة 2024 لتحفيز إنتاج الهيدروجين الأخضر. 

والأخطر من ذلك، أننا ننظم آليات السوق اليومية، مثل صافي القياس والاستهلاك الذاتي، عبر مئات "الكتب الدورية" والقرارات الإدارية التي يصدرها جهاز تنظيم مرفق الكهرباء، وهي قرارات يمكن تعديلها أو إلغاؤها بجرّة قلم، مما يخلق بيئة من عدم اليقين القانوني ترفع من علاوة المخاطرة لدى المستثمرين الدوليين. 

هذا التشتت التشريعي ، والبطء البيروقراطي، الذي قد يؤخر التراخيص لمشاريع الطاقة لمدة تتراوح بين 18 و24 شهراً، يفصل عضوياً بين قطاعات إنتاج الطاقة والصناعة والنقل. ففي حين ربط القانون الياباني بشكل تكاملي بين إنتاج الطاقة وتصنيع الأجهزة المستهلكة لها، لا يزال كل قطاع في مصر يعمل في جزيرة منعزلة، مما يفقدنا فرصة ذهبية لخلق طلب محلي مضمون ومستدام على الطاقة النظيفة التي ننتجها، ويحرمنا من توطين صناعات تكميلية كبرى مثل صناعة البطاريات الخضراء.

الفصل الرابع

 "خارطة الطريق" - من التشخيص إلى البناء

إن سد هذه "الفجوة النائمة" لا يتطلب المزيد من القرارات الإدارية أو الرقع التشريعية، بل يستوجب تدخلاً جراحياً يتمثل في صياغة "مدونة تشريعية سيادية موحدة" مستلهمة من الفلسفة الحاكمة للنموذج الياباني. خارطة الطريق هذه يجب أن ترتكز على ركائز واضحة:

أولاً: قانون سيادي موحد لتعزيز بدائل الطاقة والصناعة الخضراء. 

      يجب أن نتوقف فوراً عن إدارة هذا القطاع بسياسة الجزر المنعزلة. نحتاج إلى تشريع شامل ومدمج يربط بين الكهرباء والصناعة والنقل، ويحول الأهداف الاستراتيجية (مثل هدف 60% بحلول 2040) من مجرد "رؤية حكومية" إلى "التزام تشريعي" مُلزم للدولة، تخضع للمساءلة البرلمانية بشأنه. 

      هذا القانون يجب أن يفرض على الصناعات الثقيلة، كما فعلت اليابان، تعيين "مديري طاقة" مرخصين وتقديم خطط إلزامية لخفض الاستهلاك، مع تبني نظام "Top Runner" مصري لدفع السوق نحو الابتكار.

ثانياً: هيئة وطنية عليا مستقلة للتحول الأخضر (NGTIA). [3]

      للقضاء على البطء البيروقراطي وتضارب الاختصاصات، لا بد من إنشاء كيان مؤسسي سيادي ومستقل، يتبع رئاسة الجمهورية أو رئاسة مجلس الوزراء مباشرة، ويكون بمثابة "الشباك الواحد الحقيقي" لجميع مشاريع الطاقة والصناعة الخضراء. 

      هذا الكيان، على غرار منظمة "NEDO" اليابانية، يجب أن يمتلك صلاحيات استثنائية، ليس فقط لإصدار التراخيص، بل لتحمل جزء من مخاطر الابتكار عبر تقديم "ضمانات سيادية" للديون البنكية المتعلقة بمشاريع التكنولوجيا الخضراء، مما يشجع القطاع المصرفي على تمويلها بلا خوف.

ثالثاً: ربط الحوافز بالتوطين ودعم الشركات الناشئة. 

      يجب ألا تُمنح أموال الدولة وحوافزها الضريبية على بياض. أي إعفاء ضريبي أو جمركي يجب أن يكون مشروطاً بتحقيق المستثمر لنسبة متصاعدة من "المكون المحلي" ونقل فعلي للتكنولوجيا. كما يجب تعديل قوانين الاستثمار لتضمين "استثناء ذهبي" يسمح لصناديق رأس المال المخاطر الحكومية والخاصة بضخ سيولة غير مسقوفة في الشركات التكنولوجية الناشئة العاملة في مجال الطاقة النظيفة، لمساعدتها على عبور "وادي الموت التمويلي" وتحويل براءات اختراعاتها إلى خطوط إنتاج فعلية.

خاتمة: 

صناعة القدر على أرض الكنانة

إن العواصف الاقتصادية التي تهب على عالمنا اليوم ليست نذير شؤم، بل هي نداء تاريخي للنهوض. 

لقد أثبت التاريخ أن العاصفة تمر حتماً، لكن الباقين في حلبة المنافسة هم فقط أولئك الذين استثمروا رياحها ليبنوا سفنهم ويديروا طواحينهم. التشريع هو خشب هذه السفينة، والمؤسسات المستقلة هي أشرعتها.

إذا كانت اليابان، الأرخبيل البركاني العاري من الموارد، قد صنعت معجزتها بقوة القانون، فإن مصر بما تملكه من شمس لا تغيب، ورياح لا تهدأ، وعقول شابة قادرة على استيعاب أعقد التكنولوجيات، ودستور متقدم وقضاء شامخ، لقادرة - متى ما أحكمت صياغة تشريعاتها ووحدت مؤسساتها - على أن تتجاوز هذه الفجوة النائمة، لتبني إمبراطورية صناعية خضراء تعيد كتابة تاريخ المستقبل، وتثبت للعالم أنها، كما كانت فجر التاريخ، قادرة دوماً على صناعة قدرها بيديها.

والي ان القاكم بمقال تالي، اختم بقوله تعالي :

" إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ "

                                                                        صدق الله العظيم

 


[1] منظمة NEDO (New Energy and Industrial Technology Development Organization)

هي "منظمة تطوير تقنيات الطاقة الجديدة والصناعية"، وهي وكالة حكومية يابانية شبه مستقلة تأسست عام 1980 بموجب "قانون تعزيز تطوير وإدخال الطاقة البديلة". تُعد الذراع التنفيذي للحكومة اليابانية في مجال تمويل ودعم مشاريع البحث والتطوير المتعلقة بالطاقة النظيفة والتكنولوجيا الصناعية المتقدمة. تعمل المنظمة كجسر بين البحث الأكاديمي والتطبيق الصناعي، حيث تتحمل جزءاً من مخاطر الابتكار عبر تمويل المشاريع التجريبية وتوجيه بوصلة الصناعة نحو التكنولوجيا النظيفة. لعبت دوراً محورياً في تحويل اليابان من دولة تعتمد كلياً على النفط المستورد إلى رائدة عالمية في تصدير تكنولوجيا الطاقة.

 

[2] نظام العدّاء الأول (Top Runner Program)

هو آلية تنظيمية يابانية مبتكرة أُطلقت عام 1998 ضمن تعديلات "قانون ترشيد استخدام الطاقة"، وتهدف إلى رفع كفاءة الطاقة للمنتجات بشكل مستمر ومتصاعد. تعمل الآلية على النحو التالي: بدلاً من فرض معايير كفاءة دنيا ثابتة ومتواضعة، تقوم الحكومة بتحديد المنتج الأكثر كفاءة والأقل استهلاكاً للطاقة الموجود فعلياً في السوق (أي "العدّاء الأول")، ثم تجعله هو المعيار الإلزامي الذي يتعين على جميع الشركات المنافسة الوصول إليه خلال فترة زمنية محددة (عادة 4-8 سنوات). وبمجرد وصول الجميع إلى هذا المعيار، يُعاد تحديد "عدّاء أول" جديد أكثر كفاءة، وهكذا في دورة لا تتوقف. هذا النظام يجبر السوق بأكمله على التسابق نحو الابتكار، ويحوّل المنافسة من مجرد خفض التكلفة إلى التفوق التكنولوجي.

 

[3] الهيئة الوطنية العليا للتحول الأخضر (NGTIA - National Green Transition and Industrial Authority)

هو كيان مؤسسي مقترح ، مستلهم من نموذج منظمة NEDO اليابانية. يُقترح أن يكون هيئة وطنية عليا مستقلة تتبع رئاسة الجمهورية أو رئاسة مجلس الوزراء مباشرة، وتعمل بمثابة "الشباك الواحد الحقيقي" لجميع مشاريع الطاقة المتجددة والصناعة الخضراء في مصر. الهدف من إنشائها هو القضاء على البطء البيروقراطي وتضارب الاختصاصات بين الجهات الحكومية المتعددة. يُقترح أن تمتلك صلاحيات استثنائية تشمل: إصدار التراخيص بشكل مُسرّع، وتقديم ضمانات سيادية للديون البنكية المتعلقة بمشاريع التكنولوجيا الخضراء، وتحمل جزء من مخاطر الابتكار لتشجيع القطاع المصرفي على تمويل هذه المشاريع. يُعد هذا المقترح أحد الركائز الأساسية لسد "الفجوة النائمة" بين الطموح المصري والواقع التشريعي المتشتت.

 

تم نسخ الرابط