ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

خرجت في الآونة الأخيرة أصواتٌ نشاز، لا تُشبه معدن أهلنا في الخليج، ولا تمتُّ إلى أخلاقهم التي عهدناها بصلة؛ أصواتٌ جاوزت حدود الأدب، وانحدرت إلى لغةٍ لم نألفها يومًا من إخوةٍ جمعتنا بهم وشائج القربى، وربطتنا بهم عرى التاريخ والمصير.
وقد وقف المصريون حيارى أمام هذا الخطاب الغريب، يتساءلون في مرارةٍ صادقة: أيُّ إساءةٍ صدرت من مصر حتى تُقابَل بكل هذا الجفاء؟ وأيُّ ذنبٍ اقترف شعبها حتى يُترَك العدو المتربص، ويُستبدَل به طعنٌ في خاصرة الأخ، وكأن البوصلة قد اختلّت، أو كأن الذاكرة قد أُصيبت بوهنٍ مفاجئ؟
إن ما يؤلم حقًّا ليس مجرد كلمات عابرة، بل ذلك المناخ الذي يُراد له أن يزرع الشقاق، ويقطع ما بيننا من أواصر المودة وصلة الرحم، خدمةً لمخططاتٍ لا تخفى على ذي بصيرة؛ مخططاتٍ تُدرك أن تماسك هذه الأمة هو سِرُّ قوتها، وأن مصر كانت – وستظل – أحد أعمدتها الراسخة، وسدًّا منيعًا أمام عوادي الزمن ونوازله.
وما كان لمصر يومًا أن تنحدر إلى درك المعايرات أو المكايدات، فهي أعرق من أن تُستفز، وأكبر من أن تُستدرج إلى صغائر الأمور. غير أن العتب – وهو عتب الأحبة – يبقى حاضرًا، لأن الجرح حين يأتي من القريب يكون أعمق أثرًا وأشد وقعًا.
ألم تكن مصر – عبر تاريخها – ملاذًا لكل ملهوف، وملجأً لكل خائف؟ ألم تفتح أبوابها، لا بمنطق الكفيل والتابع، بل بروح الأخ الذي يقتسم خبزه قبل أن يسأل عن هوية ضيفه؟ لقد آوت من ضاقت بهم أوطانهم، من أشقائنا في سوريا وليبيا وألسطين والسودان، فوجدوا فيها وطنًا ثانيًا، وقلوبًا رحبة، وبيوتًا لا تُغلق أبوابها في وجه محتاج.
ومن قبلُ، حين عصفت المحن بإخوتنا في الكويت إبان غزو الكويت، كانت مصر في طليعة من احتضن وساند، وفتح الأذرع قبل الحدود، وقدّم ما يقدر عليه، وما لا يُحصى من صور الدعم والمؤازرة.
ثم يخرج من بين الصفوف الآن وفي هذه الأزمة الخطيرة من يظن – واهمًا – أن مصر تُعايَر بفقرٍ أو ضيق حال! وهل تُقاس الأوطان بجيوبها، أم بقيمها ومواقفها؟ ولولا أن بني صهيون من خلفهم بخبثهم وحقدهم ودعمهم المسموم ماكنا سمعنا ذلك النشاز من هؤلاء المغيبين.
إن مصر التي علّمت، وآوت، وربّت، واحتضنت، لا يُقاس قدرها بعارضٍ زائل، ولا تُنقص من شأنها ألسنةٌ غافلة أو أقلامٌ مأجورة.
غير أننا – مع كل هذا – لا نعمم، ولا نظلم، فهذه الأصوات ليست إلا قلةً شاردة، لا تمثل شعوب الخليج الكريمة، ولا تعكس أخلاقهم التي نعرفها ونجلّها. إنهم – في حقيقتهم – طارئون على هذا النسيج الأخوي، لا وزن لهم في ميزان الود، ولا أثر لهم في عمق العلاقة.
وإن مما يزيد الأسى أن تُستغل هذه الأصوات لتكون أداةً في يد من يسعى لإشعال الفتنة، وبث الفرقة، وتمزيق الصف؛ أولئك الذين لا يهنأ لهم بال إلا إذا تباعد الإخوة، وتخاصم الأشقاء. غير أن وعي الشعوب، وعمق الروابط، كفيلان بإفشال هذه المحاولات، مهما تنوعت وسائلها.
إن الفتنة إذا اشتعلت لم تُبقِ ولم تذر، وقد قيل: لعن الله من أيقظها. وعلينا جميعًا أن نكون على قدر المسؤولية، نطفئ نار الفتنة بالحكمة، ونحاصرها بالعقل، ونردّ لهيبها إلى نحور من أشعلها.
وستبقى مصر – رغم كل شيء – على عهدها: سندًا لمن استند، وأمنًا لمن خاف، وحضنًا لمن لجأ. وستبقى مكانتها في القلوب التي تعرف قدرها، لا تهزّها عواصف العابرين خطأ، ولا تنال منها سُحبٌ صيفية سرعان ما تنقشع.
وإن غدا لناظره قريب.

تم نسخ الرابط