ليست كل الدول تُقاس بحجم جيوشها أو صخب مواقفها، فثمة دول تصنع وزنها الحقيقي في لحظات الاختبار الهادئ، حين تختار أن تكون صوت العقل لا صدى الضجيج.
وفي خضم هذا الاضطراب الإقليمي، برزت سلطنة عمان نموذجًا فريدًا لدولة تعرف متى تتكلم، وكيف تتصرف، ولماذا ترفض الانجرار إلى مسارات لا تخدم استقرار المنطقة ولا مصالح شعوبها.
لقد اتخذت سلطنة عمان موقعًا صعبًا، لكنه شريف؛ موقع الوسيط الذي لا يساوم على المبادئ، ولا يتخلى عن دوره في تقريب المسافات حتى في أحلك اللحظات. فهي الدولة التي فتحت أبوابها للحوار حين أُغلقت، واستضافت مسارات التفاوض بين أمريكا وإيران حين تعثرت..
ثم وجدت نفسها أمام مشهد يتبدد فيه كل ما بُذل من جهد سياسي في لحظة تصعيد عسكري مفاجئ من الأمريكان والصهاينة. ومع ذلك، لم تنزلق إلى ردود فعل انفعالية، بل تمسكت بخيط الحكمة، وأعلنت موقفًا واضحًا يرفض العدوان الأمريكي الصهيوني على طهران ويؤكد أن منطق القوة وحده لا يصنع سلامًا.
ما يميز هذا الموقف ليس فقط إدانة الضربات على إيران أو التحذير من تداعياتها، بل تلك الرؤية العميقة التي عبّر عنها بدر البوسعيدي وزير خارجية سلطة عمان حين أشار إلى أن الأزمة تتجاوز مجرد صراع عسكري، لتكشف خللًا في مسار القرار ذاته، وانزلاقًا إلى معارك لا تحقق مكاسب حقيقية لأي طرف. هذا الطرح لا يعكس موقفًا سياسيًا عابرًا، بل يعبر عن مدرسة دبلوماسية كاملة، تؤمن بأن تجنب الحرب أحيانًا هو أعظم انتصار.
لقد رفضت سلطنة عمان أن تكون منصة لأي تصعيد، أو جزءًا من معادلة النار، واختارت بدلًا من ذلك أن تحافظ على سيادتها وعلى اتزانها، في وقت اندفعت فيه أطراف أخرى إلى حسابات ضيقة أو رهانات غير محسوبة.
وهذا الموقف، في جوهره، ليس حيادًا سلبيًا كما قد يظن البعض، بل هو انحياز صريح للاستقرار، وإدراك عميق بأن الحروب حين تندلع لا تقف عند حدود من أشعلها، بل تمتد آثارها إلى الجميع.
إن ما فعلته سلطنة عمان هو تذكير عملي بأن السياسة ليست دائمًا صراع إرادات، بل قد تكون أيضًا فنّ تجنيب الشعوب كلفة الصدام. وأن الدولة القوية ليست فقط من تملك القدرة على الفعل، بل من تملك الحكمة في الامتناع حين يكون الامتناع هو الفعل الأجدى.
وفي زمن تختلط فيه الحسابات، وتضيق فيه مساحات التعقل، تبدو التجربة العمانية جديرة بأن تُرفع لها القبعة، لا مجاملةً، بل تقديرًا لدورٍ عربي نادر، حافظ على توازنه حين اختلّ الميزان، وتمسك بصوته العاقل حين ارتفعت أصوات أخرى. إنها رسالة ضمنية لكل من يقرأ المشهد: أن الاعتدال ليس ضعفًا، وأن ضبط النفس ليس تراجعًا، بل قد يكونان -في لحظة فارقة- أعلى درجات القوة.
