كنتُ أظن، أو لعلِّي تَمنيتُ، أني حين أرتدي وشاح القضاء، أخلع عنِّي شيئًا من الإنسانية التي تُثقِل القلب. لكني أخطأتُ الظن. وجدتُني إنسانا في رداء قاضٍ، يحمل بين يديه أوراقًا تختصر المآسي، ويحمل في صدره قلبًا لا يريد أن يتورط في الوجَع، لكنه يتورط رغمًا عنه.
يا لَهول أن تُغدَر الأخت من شقيقها، لا بسيفٍ ظاهر، بل بخيانةٍ تلبس قناع القرابة!
في قاعة المحكمة، تلك التي تلتقي فيها كلمات القانون بصمت الحناجر، يجلس إنسانٌ مثقلٌ بثقل وجَعِه، لا بقضائه فقط.
نظرتُ إلى الأخ فلم أرَ مجرمًا فقط، بل طيفُ طفل دسَّرَتهُ أخته في ظُلمة الليل، فعرَّاها أمام القانون نهارا. كان بإمكانه أن يكون سندًا، لكنه اختار أن يكون خِنجرًا… مزَّق الوشاح الذي خاطته له بحبٍ، ورمَى به في هُوَّةِ الطمَع.
ونظرتُ إلى الأخت. التي جاءت إلى المحكمة لا تطلب انتقامًا، بل تحمل في عينيها سؤلا مؤلما: "لماذا"؟ لكن لا قانون في الأرض يجيب على خيانة، ولا حكمًا يَجبر كسر الأخوَّة حين تنهار من الداخل.
حين نطقتُ بالحكم، شَعرتُ أن صوتي خرج متثاقلا. ليس لأن القانون لم يُطبَق، بل لأنه طُبِّق على جرح نازف، لا على نزاع قانوني بارد.
أيها الميزان... هل يُوزن الألم؟ هل تقيسُ كفَّتاك صَرخة أمٍّ ماتت مرتين؟ مرةً حين تُوفيت، ومرةً حين رأت أبناءها يتناحرون على إرثها… لا على رضاها.
حَكَمتُ… نعم، لكنني بكيتُ في صمتي، فهذا المجتمع لم يُطعَن من متهم، بل من روحٍ خانت جذورها، وجفَفت نبع الأخوَة… في عروقها.
تحققَت العدالة، والسَجن حُكم به، لكن هل تُجدي الأحكام حين تنكسر المعاني؟ هل يَسجِن القانون خيانةً سكنت الذاكرة؟ هل يرمِّم السَجن قلب أختٍ رأت سندها يهوي إلى مستنقع الطمع؟
كنتُ قاضيًا، نعم، لكنني كنتُ أيضًا شاهدًا على جنازة القِيَم...
على لحظة ارتدَّ فيها المجتمع إلى الخلف، مذهولًا من أن تُصبح الأخوة سلعة تباع حين يُشترى الضمير.
ويا لهول أن تتورط في الحكم على الجراح، لا على الأفعال...
أن ترى الأحكام تُكتَب بالحبر، لكنها تُقرأ بالدمع.
فيا قسوة القضاء، حين يُصبح سلاحَك ورقة... وعدوك الحقيقي هو وجَع لا يُدان ولا يُعاقَب، بل يَسكُن القلوب ويمضي.
أيتها الأخت، لا تسألي أين ذهبَ الأمان، فقد مات حين باع الأخ أختَه. وفي جنازته، كنتُ أنا… حامِل النَعش.
في هذه الحادثة، لا ينكسر القانون فحسب، بل تنكسر الثقة الأولى التي يبني عليها الإنسان عالمه: ثقة الطفل بأمِّه، والابن بأبيه، والشقيق بشقيقه. فمتى صار الرحم ممرًّا للطمع، وصارت الأرحام سُلّمًا للابتزاز، فأيّ ملاذٍ يبقى للإنسان في هذا العالم؟
إنّ خطورة ما جرى لا تكمن فقط في الوحشية المخطَّطة، ولا في استخدام أدوات التقييد والترهيب، بل في انقلاب المعنى الأخلاقي للعلاقة العائلية ذاتها. فالأخ، في الوعي الجمعي، ليس مجرّد كائنٍ بيولوجي يشاركنا الدم، بل هو رمز الأمان، حارس الكرامة، مرآة الذات. فإذا انقلب ذلك الرمز إلى جلّادٍ، وإذا تحولت العلاقة التي يفترض أن تكون ملجأً للروح إلى ساحةٍ للمكيدة، فإنّ المجتمع كله يهتزّ في أسسه.
أليس في ذلك دليلٌ على أننا نعيش زمنًا بدأ فيه الضمير يُستبدل بالوثيقة؟ فلم يعد يكفي أن تكون "أخًا" لتُحترم؛ بل عليك أن تُثبت ولاءك بإيصال أمانة، أو توقيع توكيل. وكأن الإنسانية لم تعد كافية، والرحم لم يعد حرزًا، والحب لم يعد عقدًا غير مكتوبٍ بين القلوب، بل صار مشروعًا قابلًا للتفاوض… أو للسرقة.
فما الذي يصنعه مجتمعٌ يُدرّب أبناءه على الشكّ حتى في أقرب الناس إليهم؟ كيف نطلب من الجيل القادم أن يبني علاقاتٍ قائمة على الثقة، وقد علّمناه أن الخطر الحقيقي قد يأتي من تحت سقف بيته؟
وهل نحن حقًّا ماضون نحو مجتمعٍ لا يَحكمه إلا الخوف والمستندات، حيث يُصبح كلّ قريبٍ مشتبهًا به حتى يُثبت براءته؟
ربما تكون هذه الحادثة - المؤلمة حقًّا - ناقوس خطرٍ يدقّ ليس في قاعة محكمة، بل في ضمير الأمة. فإذا كان المال قادرًا على أن يحوّل الأخ إلى ذئب، فما الذي يمنعه أن يحوّل الصديق إلى جاسوس، والجار إلى عدوّ؟
حين يموت الإحساس بالحرمة، لا يعود هناك "آخر" نحترمه، بل "هدف" نتربص به.
وهنا يبرز السؤال الأخلاقي الأعمق: هل يمكن لقانونٍ أن يُعيد بناء ما تهدم من القيم؟ أم أنّ العدالة الحقيقية تبدأ حين نُعلّم أبناءنا - قبل أن يتعلّموا كتابة الإيصالات - أن يكتبوا في قلوبهم كلمة "شرف"، لا بحبر، بل بنار الضمير؟ لأنه، في النهاية، لا خطر أعظم على المجتمع من أن يفقد إيمانه بأن الإنسان، في جوهره، كريم. فإذا سقط هذا الإيمان، سقط كلّ شيء.