من أجمل ما يطرب آذان السامعين، ويريح وجدانهم، ويبث السكينة والطمأنينة إلى نفوسهم في عصرنا الحالي إذاعة القرآن الكريم المصرية، فلقد كانت منذ نشأتها في الخامس والعشرين من مارس من عام ألف وتسعمائة وأربعة وستين نقلة نوعية في تاريخ الإعلام الإسلامي على مستوى العالم أجمع ؛ ذلك بأنها اتخذت من وسطية الإسلام منهجا لها؛ مما جعلها تتربع على قلوب الملايين، وتسهم في بناء شخصية مسلمة مستنيرة، في كل أرجاء المعمورة، لتصل إلى البسطاء قبل المثقفين، والصغار قبل الكبار، لقد أدت ومازالت وستظل تؤدي رسالتها على الوجه الأكمل، إنها جزء أصيل من الوجدان المصري، وإنك لتنبهر حينما ترى كثيرًا من الناس يجعلون متابعة برامجها في مقدمة أولوياتهم رغم التطور الهائل في الوسائل المرئية، ولعل هذا يرجع إلى إخلاص أسرة هذه الإذاعة الأكرمين في عرض رسالتهم في البلاغ عن رب العالمين.
إن لإذاعة القرآن الكريم رونقا وبهاء يتجلى ساطعا من خلال هذه المنهجية الرائعة في عرض رسالتها من خلال هذه الباقة الرائعة من تلك البرامج التي تأسر قلوب المستمعين.
ولقد كان لإطلاق تطبيق إذاعة القرآن الكريم أهمية كبرى، ومنزلة عظمى في نفوس المسلمين حول العالم؛ فمن خلاله يُتاح البث المباشر لبرامج الإذاعة المختلفة بجودة عالية على مدار اليوم والليلة، كما يمكِّن أي شخص داخل مصر وخارجها من الاستماع بسهولة عبر الهاتف دون الحاجة إلى راديو تقليدي؛ مما يحقق انتشارا عالميا أو سع لرسالة القرآن العظيم، ويضم هذا التطبيق الرائع التلاوات الأصلية والنادرة لكبار القراء أمثال المفاضيل: الشيخ الحصري، والشيخ المنشاوي، والشيخ محمد رفعت...، ويقدم أيضا برامج تراثية تمتد لأكثر من نصف قرن؛ مما يؤكد ريادة مصر عالميا لخدمة كتاب الله العزيز.
إن المتابع للبرامج التي يتيحها هذا التطبيق سيجدها هادفة متنوعة، فمنها الفقهية التي تنير للمسلم طريق حياته، وتعينه على خشية الله ومراقبته، فهي تقدم للمسلم وسطية الإسلام بلا إفراط ولا تفريط؛ فتجعله مرتاح القلب، منشرح الصدر؛ فيحقق العدالة والخيرية، فكم كانت هذه الإذاعة سببا في إزالة كثير من اللغط، والإشكاليات على المستمعين من خلال هذه الثلة الطيبة من كبار العلماء المبرئين من التطرف أو الغلو!
ومنها التفسيرية التي تعين على فهم الكتاب المكنون، وتدبر آياته الكريمة، ومعرفة مقاصد القرآن، وأسراره، ودلالاته؛ امتثالا لقوله تعالى:﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [سورة ص: الآية 29]
ومنها ما يتعلق بالتوحيد والعقيدة التي تبين للمؤمن أن الموحد خير الناس، إذ ليس فيه شركاءُ مُتشاكِسون، بل هو سلم خالص لله الوحد الأحد؛ ومن ثم يكون علي عقيدة راسخة ثابتة، لا كريشة تتقاذفها رياح تيارات التشتت والفكر الهدام ، فيصبح حرًا لا يعبد إلا الله الواحد؛ ومن ثم تتحقق له الراحة والطمأنينة؛ فينعكس هذا على نفسه، وأهله، والمجتمع أجمع.
ومنها اللغوية التي تجلي إعجاز الذكر الحكيم، وخصائصه البيانية، وأساليبه اللغوية، والوقوف على أسراره البلاغية في الذكر والحذف، والتقديم والتأخير، والتنكير والتعريف وغير ذلك مما يجعل المؤمن يزداد إيمانًا وقناعة بأن كلام الله ليس له نظير ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [ النساء: 82].
ومنها ما يتعلق بالسيرة والتاريخ؛ مما يكسب المسلم القدوة الحسنة، والأسوة الطيبة؛ ومن ثم ينشأ جيل على الفضيلة، ومكارم الأخلاق، متربيًا محاسن الصفات من النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام فتشرئب إليه الأعناق، ويشار إليه بالبنان.
ويكفي إذاعة القرآن الكريم شرفا وتيها أنها تبث أطيب الأصوات، وأتقنها تلاوة لكتاب رب العالمين عبر أثيرها صباح مساء، مما يعد أطيبَ هدية تدخل السكينة، والسعادة في نفوس المستمعين؛ فيزول همهم، وتسعد قلوبهم.
وحري بنا أن نوجه رسالة لكل صوت شجي يتردد عبر أثيرها المبارك ويخشى أن يندثر، أو أن ينسى بعد بلوغه السن القانونية للتقاعد نقول له: حسبك أن الملايين قد تربوا على نغمات صوتك، وطبقاته الرائعة؛ فكم من متجهٍ اتجاهًا إيجابيًا بسببك! وكم من مهتدٍ إلى الحق عن طريقك!
فالله حسيبك، جزاؤك عنده، وأجرك عليه، إن الله لا يضيع أجر المحسنين.
وفي عيد إذاعة القرآن الكريم الثاني والستين ندعو الله أن يبارك فيها، وفي القائمين عليها، وأن يجعلها دائما مفتاحًا للخيرات كلها، وسبب هداية ورشد للعالمين، وأن يزيدها مجدًا على مجدها، وألقًا على ألقها.