أشرف عبد الغني يكتب، "صالح - الصحافة.. ونبيها - إبراهيم"
عندما كانت الصحافة، كان ثالث ثلاثة.
الأول: هادئ جدًا.
الثاني: مُنظم للغاية.
الثالث: معجون بـ"الموهبة".
في "الجمهورية"، استقبلني وعلّمني - مع أبناء جيلي - الأساتذة الثلاثة الكبار: محمد الشرقاوي.. خالد إمام.. وصالح إبراهيم.
حينذاك، بمجرد أن تفتح باب "المصعد العتيق"، في المبنى القديم، ستجد نفسك على أعتاب أهم غرف الجريدة على الإطلاق: الديسك المركزي. داخل هذه الغرفة "المسكونة" بحكايات العظماء، يصنع الثلاثة - كلٍ في يوميه كمدير عام للتحرير - "الطبخة الصحفية"؛ لتخرج "الجمهورية"، من مانشيت الصفحة الأولى وحتى آخر "خبر على عمود" بصفحة الرياضة، مضبوطة "بالمللي" على "مذاق" قارئ مُحدد سلفًا بمنتهى الدقة.
أيام الأسبوع - في الجريدة - "كوم"، وخلال يوميه "كوم تاني". يبدأ صالح إبراهيم معاركه "الضارية" مبكرًا جدًا مع الزملاء مسئولي الجراج؛ لضمان حضوره إلى "ش زكريا أحمد" قبل الجميع. يجلس على "مقعد القيادة" بغرفة الديسك المركزي، ممسكًا بـ"حِزمة متنوعة" من الأقلام "الفلو ماستر" التي أتعبت - بخطها "المنمنم" - الجّميعة وسكرتارية التحرير والمُنفذين، وهو في أتم المُتابعة، والجاهزية، والحماس.
بهدوء "ما قبل الإبداع"، يبدأ الأستاذ "صالح" إصدار التكليفات باتجاه كل الأقسام؛ لتحقيق "صالح" الملك المُتوج دائمًا: القارئ. ومع تسارع وتيرة العمل، يدخل إلى موجات متلاحقة من العواصف "المعتادة.. والمُحببة"، ولا يخرج منها - مؤقتًا - إلا مع انتهاء الطبعة الأولى.
مع كل خبر، وفي متن أي تقرير، تجد معه عصف ذهني وعواصف تكليفات لا تنتهي: يرفض، فورًا، الخبر "اللي ريحته وحشة". يتمرد، بعنف وصلابة شديدين، على الأوضاع "المقلوبة". يدخل في صراعات مع رجال "الرجل الكبير" - الأستاذ سمير رجب - قبل أن ينظر إلى ذلك "الثقب" - الغريب فعلاً - في سقف الغرفة، وهو يصرخ بسوط سخريته وعناده المعتاد: "عارفك بتراقبني.. برضو ولا يهمني.. اعمل اللي انت عايزه".
مع الوقت، يمتلئ "الخازوق" الشهير - وهو مسمار طويل بسن مُدبب وقاعدة عريضة يُستخدم في "إعدام" الأخبار المرفوضة - بخير وفير. القاعدة الصحفية كانت في منتهى الوضوح والحسم آنذاك: الشغل "الحلو المصنوع" - مع الناس وعن أحوال الناس وإلى الناس - له الأولوية المطلقة. في ظل هذه الأجواء الفريدة، كنا - كـ "صحفيين تحت التمرين" - نخشاه بشدة، ونحبه - ونحترمه - إلى أبعد حد؛ لأنه ببساطة متناهية، ومهما بلغت عواصفه المدى، كان "المُعلم الأكبر" في الجريدة.
إذا كان للصحافة من أنبياء - بالمعنى المهني - فـ"صالح إبراهيم"، يقينًا، أحد الأنبياء الأوائل. 60 عامًا، أو يزيد، قضاها هذا "المُتفرد" بتأثيره، وإخلاصه، وموهبته في حب "صاحبة الجلالة". 60 عامًا، أو يزيد، لم يتوقف "لحظة" - وأعنيها تمامًا - عن العطاء بسخاء لمن أحب، وإن بخلت عليه بما يستحق. 60 عامًا، أو يزيد، قدّم نموذجًا عظيمًا - وربما غير قابل للتكرار - لفكرة أن يكون "التفاني" في المهنة ومن أجلها مبدأ حياة، دونه الموت.
لسنوات مديدة بفضل من الله على "الجمهورية"، ظل صالح إبراهيم "يتوكأ" على عصاه - وابنته النجيبة التي ورثت عنه كل "أماني" المهنة - في الحضور إلى "111 - 115 ش رمسيس". يصعد بانأة إلى غرفة الديسك المركزي "عديمة الثقب" في الطابق الثامن؛ ليكتب - بـ"مجموعة أقلامه الفلومستر النادرة" - ما أفاض به عليه وعلينا المولى من "دروس لا تنسى"، و"حب لا ينتهي" في مهنة البحث عن "المبادئ".
لم - ولن - أر مثل "صالح إبراهيم" ما حييت. ذلك أن أنبياء المهنة يبعثهم الله - كل حين من الدهر - لـ"تخليص" صفحاتها البيضاء، أو هكذا يُفترض، من "دنس" الدخلاء عليها، والبخلاء في العطاء لها. ليتنا - نحن التلاميذ غير النجباء - اكتسبنا "أقل القليل" من إخلاصه للمهنة، غير أن عذرنا في ذلك أننا نواجه - لسوء المصير - عملية "دهس" لا ترحم.
"أستاذ" صالح: قم، وانهض من وعكتك الصحية. توكأ على إرادتك.. وابنتك، فنحن - والمهنة - ما زلنا في حاجة إلى عصاك، وإن عصينا.