ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

في مواكب الراحلين الكبار، يمضي الأستاذ يوسف عبده، ابن الأزهر الشريف، وقد خلّف وراءه سيرةً عطرةً لا تُطوى صفحاتها، بل تظل نبراسًا يهتدي به السائرون في دروب الكلمة الصادقة والرسالة الأمينة.

لقد كان – رحمه الله – من الرعيل الأول الذين تشرفوا بالانتساب إلى قسم الصحافة والإعلام بكلية اللغة العربية بالقاهرة، ذلك القسم الذي لم يُنشأ عبثًا، بل قام على غاية سامية، أن يخرّج صحفيًا أزهريًا يحمل القلم كما يحمل الرسالة، ويزن الكلمة بميزان الشرع، ويؤدي الأمانة بروحٍ مؤمنةٍ تعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن المهنة عهدٌ وميثاق.

ومنذ أن خطا خطواته الأولى في محراب الصحافة، في صحيفة الأهرام، ظل وفيًّا لتلك القيم التي تشربها في رحاب الأزهر؛ فكان مثالًا للصحفي الذي يجمع بين المهنية الرفيعة والخلق القويم، لا تزل به قدم، ولا تغويه شهرة، ولا يحيد به الطريق عن جادة الحق. تدرّج في مدارج العمل الصحفي حتى بلغ أعلاه، ولم يكن صعوده صعود منصبٍ بقدر ما كان ارتقاء قيمةٍ ومكانة.

عرفته لقاءات الحياة رجلًا وطنيًا مخلصًا، وأزهريًا مستنيرًا، غيورًا على مؤسسته، مدافعًا عن تاريخها، مؤمنًا بدورها في صيانة هوية الأمة، وحفظ تراثها، والمضي بها في طريق التجديد الرشيد الذي لا يقطع مع الأصول، ولا ينفصل عن واقع الناس وحاجاتهم.

وإن الحديث عن الراحل، إنما هو حديث عن نموذجٍ أراد له الأزهر أن يكون ثمرةً من ثمراته؛ ذلك الصحفي الذي يلتزم بميثاق المهنة لا بوصفه نصًا وضعيًا فحسب، بل بوصفه التزامًا دينيًا وأخلاقيًا، يستمد جذوره من تعاليم الإسلام السمحة، التي غرست في أبنائه الصدق، والأمانة، والعدل، واحترام الإنسان.

وهنا تتجلى الحكمة البالغة من إنشاء قسم الإعلام ثم كلية الإعلام بجامعة الأزهر؛ إذ لم يكن الهدف مجرد تخريج كوادر مهنية، بل إعداد دعاةٍ بالكلمة، وحراسٍ للوعي، يحملون إلى المجتمع إعلامًا نظيفًا، يُعلي من القيم، ويصون الحقيقة، ويواجه الانحراف، ويقف سدًا منيعًا أمام التزييف والتضليل.

رحم الله الأستاذ يوسف عبده، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وجزاه عن الأزهر والصحافة المصرية خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته، وألحقه بالصالحين، وأبقى أثره الطيب شاهدًا على أن الأزهر، إذا أنجب، فإنما يُنجب رجالًا يحملون الرسالة، ويؤدون الأمانة، ويتركون في الناس أثرًا لا يزول.

تم نسخ الرابط