سألني أحد طلابي الذين أشرفت على رسالته في الدكتوراه: “هل هناك فرق بين النشر والعلانية؟”
وبالتزامن مع ما أُثير مؤخراً على منصات التواصل الاجتماعي بشأن مسألة قانونية شائكة تتعلق بتحديد الاختصاص بين محكمة الجنايات ومحكمة الجنح في جرائم القذف والسب الواقعة على موظف عام في البيئة الإلكترونية، وجدت لزاماً أن أخرج عن صمتي لبيان بعض الفروق القانونية الدقيقة.
فهذه الفروق، على بساطتها الظاهرة، كثيراً ما يغفلها الممارسون، رغم ما يترتب عليها من آثار إجرائية بالغة الأهمية، لاسيما في نطاق اختصاص محكمة الجنايات بجرائم “النشر”.
وهنا يثور التساؤل الجوهري:
متى تختص محكمة الجنايات بنظر الجرائم الماسة بشرف واعتبار الموظف العام؟
ومتى ينعقد الاختصاص لمحكمة الجنايات الاقتصادية؟
وهل تمتد ولاية محكمة الجنايات إلى كافة صور العلانية؟
الحقيقة أن تحديد الاختصاص لا يقوم على عنصر واحد، بل يتوقف على توافر مجموعة من العناصر المتداخلة، في مقدمتها:
طبيعة الجريمة (النطاق الموضوعي)، وصفة المجني عليه (النطاق الشخصي) ومدى اتصال الواقعة بالوظيفة العامة، فضلًا عن وسيلة ارتكاب الجريمة.
ونظراً لاتساع النطاق الموضوعي - والذي استغرق بيانه ما يقارب ما يقارب ٤٥ صفحة في أحد مؤلفاتي - نقتصر هنا بايجاز على عنصرين أساسيين: الصفة، ووسيلة الاعتداء
أولًا: صفة المجني عليه
يشترط ابتداءً أن يكون المجني عليه موظفًا عامًا، وذلك استنادًا إلى نص المادة ٢١٦ من قانون الإجراءات الجنائية، التي تقضي باختصاص محكمة الجنايات بنظر الجنح التي تقع بواسطة الصحف أو غيرها من طرق النشر على غير الأفراد.
وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن المقصود بعبارة «على غير الأفراد» هو الموظف العام في مدلوله المحدد في القانون الإداري، لا في المفهوم الموسع الوارد بقانون العقوبات، ويمتد ذلك ليشمل أصحاب الصفة النيابية أو المكلفين بخدمة عامة
ثانيًا: وسيلة ارتكاب الجريمة
وهنا تكمن الدقة الحقيقية.
فعبارة «بواسطة الصحف أو غيرها من طرق النشر» الواردة في نص المادة ٢١٦ إجراءات والتي تقضي بانعقاد اختصاص محكمة الجنايات بنظر جنح النشر، لا يجوز الخلط بينها وبين وسائل العلانية الأخرى الواردة في قانون العقوبات، لاختلاف المدلول القانوني لكل منهما.
بالنسبة للصحف فإنها لا تثير مشكلة وقد عرّفها القانون رقم ١٨٠ لسنة ٢٠١٨ بشأن تنظيم الصحافة والإعلام الصحيفة بأنها:
كل إصدار ورقي أو إلكتروني يتولى مسؤولية تحريره أو بثه صحفيون نقابيون، ويصدر باسم موحد وبصفة دورية في مواعيد منتظمة، ويصدر عن شخص مصري طبيعي أو اعتباري – عام أو خاص، وذلك وفقًا للقواعد والإجراءات التي تنظمها اللائحة التنفيذية لهذا القانون.
غير أن الإشكال يثور حول مدلول عبارة «أو غيرها من طرق النشر»، إذ قد يذهب البعض إلى مساواتها بكافة وسائل العلانية المنصوص عليها في المادة ١٧١ من قانون العقوبات.
غير أن هذا الفهم محـل نظــــــر
فقد أكد الدستور هذا التمييز حين نص على عدم توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، بما يفيد استقلال كل منهما عن الآخر.
كما ميز المشرع الجنائي بين النشر والإذاعة في المادة ٨٠ (ج) من قانون العقوبات، وذلك باستخدام حرف العطف «أو» بما يفيد التخيير بينهما، ويؤكد استقلال كل منهما كوسيلة علانية قائمة بذاتها.
وشدد المشرع العقوبة في حالة النشر بالجرائد والمطبوعات (المادة ٣٠٧ عقوبات)، تمييزًا لها عن سائر صور العلانية، بما يكشف عن خصوصية هذا المفهوم واستقلاله عن غيره من وسائلها.
* وجاء القانون رقم ١٨٠ لسنة ٢٠١٨ بشأن إصدار قانون تنظيم الصحافة والإعلام….، ليضع تعريفاً واسعاً لـ «المطبوعات»، فاعتبرها «كل ما يتضمن كتابات أو رسوماً أو صوراً أو مقطوعات موسيقية أو غير ذلك من وسائل التعبير، متى تم نقلها بأي وسيلة من الوسائل الميكانيكية أو الكيميائية أو الإلكترونية أو غيرها…»
ومؤدى ذلك أن النشر بواسطة الوسائل الالكترونية يعد ظرفاً مشدداً لجريمتي القذف والسب إعمالا لحكم المادة ٣٠٧ من قانون العقوبات.
فالعلانية لفظ عام يُعبر عن نتيجة قانونية، تتحقق متى وصل الفعل أو مضمونه إلى عدد غير محدد من الناس،
أما «النشر» فهو وسيلة محددة من وسائل العلانية، أضيق نطاقًا، ويتحقق من خلال أدوات مهيأة لهذا الغرض تتيح تداول المحتوى للجمهور دون تمييز.
والإنترنت قد يُستخدم كوسيلة للنشر، غير أن توصيفه القانوني يقتضي قدراً من الدقة.
فالإنترنت يُمثل وعاءً تقنياً تُمارس من خلاله أنشطة الإعلام والنشر، يندرج في إطاره عدد من الوسائط، كالمواقع الإخبارية والصحف الإلكترونية، وكذلك "منصات التواصل الاجتماعي".
ومن ثم، فإن النشر عبره يُعامل قانوناً بوصفه إحدى صور النشر، ويُقاس في أحكامه على نشر المطبوعات وفقًا للقانون، على نحو ما أوضحنا سلفًا، متى أُتيح للجمهور الاطلاع على المحتوى المتداول من خلاله.
الخلاصـــــــة الدقيقـــــة
يعتبر الإنترنت إطارًا عامًا، بينما تعد المواقع الإلكترونية والمنصات التي تبث المحتوى عبره وسائل نشر .
وعليه من الناحية القانونية، خاصة في جرائم النشر:
إذا تم نشر محتوى عبر موقع إلكتروني مفتوح للجمهور أو صفحة عامة على فيسبوك أو تيك توك أو مدونة أو منصة رقمية متاحة للكافة، فإن ذلك يعد نشراً، لأنه يحقق إتاحة المحتوى لعدد غير محدد من الناس.
النتيجــــة المترتبــــة على ذلك
بالنسبة لتحديد المحكمة المختصة:
• إذا وُجِّه سبٌّ إلى موظف عام بسبب وظيفته، في طريق عام مكتظ بطبيعته، أو في مكان عام بالتخصيص، كأن يقع داخل مكتبه خلال ساعات العمل وأثناء استقبال الجمهور، أو حتى في مكان خاص اجتمع فيه عدد كبير من الناس دون تمييز بسبب تلك الوظيفة، بما يجعله مكانًا عامًا بالمصادفة، فإن ركن العلانية يتحقق في جميع هذه الصور، دون أن ينهض الفعل إلى مرتبة النشر كوسيلة مستقلة من وسائل العلانية في معناها القانوني.
ومن ثم يظل الاختصاص بنظر الدعوى، في الحالات سالفة البيان، منعقداً لمحكمة الجنح دون محكمة الجنايات، لانتفاء وصف النشر بالمعنى القانوني المحدد.
ويُسأل الجاني في هذه الحالة عن جريمة قذف أو سب علني، أو عن جريمة إهانة موظف عام أثناء تأدية وظيفته أو بسببها المنصوص عليها في المادة (١٣٣) من قانون العقوبات متى توافر عنصر المواجهة الذي اشترطه القانون، وذلك على نحو ما استقرت عليه أحكام محكمة النقض.
• وعلى النقيض من ذلك:
إذا وقع الفعل بطريق النشر بالمدلول الضيق الذي أوضحناه، فإن التكييف القانوني للجريمة يختلف، وينعقد الاختصاص بنظرها لمحكمة الجنايات متي كان المجني عليه موظفاً عاماً وكان القذف أو السب مرتبطاً بوظيفته.
* ومتى وقع النشر من خلال موقع أو حساب إلكتروني موجَّه إلى جمهور مستخدمي الشبكة، كمنصات فيسبوك أو تيك توك، فإن الاختصاص ينعقد لمحاكم الجنايات الاقتصادية، بوصفها المحكمة المختصة بجرائم تقنية المعلومات، وذلك وفقًا لما استقر عليه قضاء الهيئة العامة للمواد الجنائية، متى قامت رابطة الارتباط التي لا تقبل التجزئة بين جريمتي القذف أو السب وبين جرائم أخرى تدخل في اختصاص المحكمة الاقتصادية.
ومن ثم يمكن القول في عبارات جامعـــــــــــــة
(١) كل نشر يحقق العلانية، ولكن ليست كل علانية نشراً.
(٢) الإنترنت يُمثل وعاءً تقنياً تُمارس من خلاله أنشطة الإعلام والنشر.
(٣) تختص محكمة الجنايات (العادية) بنظر الجنح التي تقع بواسطة الصحف أو غيرها من طرق النشر (مطبوعات دورية أو غير دورية أو /كتب) متى انصبت على موظف عام أو من في حكمه وكانت مرتبطة بوظيفته.
(٤) ينعقد الاختصاص لمحكمة الجنايات الاقتصادية متى تم نشر المحتوى عبر الوسائل الإلكترونية، وكان من شأنه إتاحة هذا المحتوى للجمهور للاطلاع عليه وتداوله.
ويبقى ســــــــــــــــــــــؤال أخير:
هل يشترط أن يكون القذف أو السب بواسطة الصحف أو غيرها من طرق النشر متعلقًا بوظيفة الموظف العام أو مرتبطًا بها؟
الإجابة: نعم، ومن ثم إذا كان موجها إليه كفرد من أفراد الناس دون صلة بوظيفته، ينعقد الاختصاص بنظر الدعوى لمحكمة الجنح الجزئية.
غير أن السؤال الأهم يكمن في تحديد مدلول هذا الارتباط ونطاقه، الذي ينعقد معه اختصاص محكمة الجنايات، ويفتح بالتالي المجال لإثبات حقيقة الوقائع المثارة.
أجابت محكمة النقض عن هذا الأمر في حكم حديث لها، وهو ما يستدعي همسة قانونية إضافية لتوضيح الحدود والفروق الدقيقة بين ما يرتبط بالوظيفة وما لا يرتبط بها.
