ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

شقيقي الخليحي … لا تغضب، فأنا أتشفى من عدوي، لا منك، ولا عليك، ولا فيك.
شقيقي الخليجي، يا من تسكن القلب قبل الجغرافيا، وتجاور الروح قبل الحدود… لا تغضب مني، فأنت لستَ في ساحة غضبي، ولا في مرمى وجعي، بل أنت بعضي الذي لا ينفصل، ونبضي الذي لا يخون. أقدّر ألمك، وأحمله في صدري كما تحمل الأرض جراحها، وأعيشه كأنه قدري الذي لا فكاك منه. ما تمنيت لك سوءًا يومًا، ولا خطر ببالي أن يمسك أذى، ولو كان في حجم قلامة ظفر.
ولكن… دعني أُفضي إليك بما يعتمل في داخلي؛
لقد باغتتني لحظة، نادرة كالمطر في صحراء الجدب، لحظة أتنفّس فيها فرحًا مشوبًا بالدمع، فرحًا مكسور الجناح، يتكئ على حزنٍ طويل… لحظة شماتة في عدوٍ طالما سقانا المرّ، ولم يترك لنا في تاريخنا معه إلا صفحاتٍ من الدم.
أتذكر – يا شقيقي – جراح ١٩٤٨؟
أتذكر انكسار ١٩٦٧؟
أتذكر كيف أُجبر جنودنا الأسرى على أن يحفروا قبورهم بأيديهم، ثم دُفنوا فيها أحياءً، بلا رحمة، بلا قلب، بلا إنسان؟!
قل لي بصدق: ماذا كنت ستفعل لو كان هذا أخاك؟
لو كان هذا ابنك؟
لو رأيت فلذة كبدك تُساق إلى موتٍ كُتب عليه بيد قاتله؟!
لقد قتلوا الطفولة في بحر البقر وغ z ة  لأنها بريئة، وهدموا المدارس لأنهم يخافون من النور، وقصفوا المستشفيات لأن الرحمة ليست من شيمهم.
جعلوا الجوع سيفًا، والعطش قيدًا، والحياة معركةً بلا ذنب.
عذّبوا الأسرى، وانتهكوا الكرامات، وكأن القسوة عندهم دين، والبطش عقيدة.
نعم… قاتلناهم في أكتوبر المجيد،
وسقيناهم من الكأس التي طالما سقونا منها،
وكسرنا جبروتهم، وحررنا أرضنا، وطهّرناها من دنسهم…
لكن الذاكرة – يا شقيقي – لا تُمحى، والجراح القديمة لا تموت، بل تنام لتستيقظ مع كل مشهدٍ يشبهها.
واليوم… رأيتُ ما يفتت القلب، وسمعتُ ما يُشيب الرأس.
كأنني كنت هناك معهم على الحدود، أسمع أنين الأطفال، وصراخ الأمهات، وأرى الموت يُوزّع عند أبواب الخبز، وعند طوابير الجوعى، وعند أحلام الأبرياء.
يا شقيقي…
إن في صدري قلبًا مشقوقًا لا يلتئم:
شقٌّ ينزف من أجلك، يبكيك، ويتوجع لألمك، ويكاد ينكسر حزنًا عليك،
وشقٌّ آخر – رغمًا عني – يبتسم ابتسامةً مُرّة، شماتةً في عدوٍ لم يعرف لنا يومًا رحمة.
أنا بين نارين:
بين دمعةٍ لا تجف، وابتسامةٍ لا تكتمل،
بين أخوّةٍ راسخة، وذاكرةٍ دامية،
بين إنسانٍ يريد أن يصفح، وقلبٍ لم يُمنح بعدُ نعمة النسيان.
فلا تلمني…
دعني أتنفّس هذه اللحظة، ولو كانت مشروخة،
دعني أفرح، ولو كان فرحي غارقًا في الدمع،
دعني أشمت، وأنا خيمة آلامٍ لا تُطوى.
سامحني يا شقيقي…
فأنا لست إلا قلبًا أنهكته المفارقات،
تجاذبته المتناقضات،
وأضناه تاريخٌ لم يُكتب بالحبر، بل بالدم.
قدِّر حالي…
وانظر إليّ بعين الرحمة، لا بعين العتاب…
فما أنا إلا إنسان، يتعلّق بفتات الفرح، في بحرٍ لا ينتهي من الأحزان.

تم نسخ الرابط