لقد جعلَ اللهُ للعملِ الصالحِ طُرُقًا شتّى، ومسالكَ متعدّدةً، إذا سلكها أولو الألباب مخلصين، مبتغين فضلَ اللهِ ورضوانَه، كان جزاؤهم جنّاتٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ أُعدّت للمتقين.
ومن بين هذه الأعمالِ الجليلةِ التي حثّ عليها نبينا الأكرم ﷺ كفالةُ اليتيم؛ إذ أوصى اللهُ تعالى بالإحسانِ إليه في كتابه العزيز، فقال جلّ شأنه:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ [النساء: 36].
كما جعل النبي ﷺ كافلَ اليتيم في منزلةٍ رفيعةٍ، ومكانةٍ عظيمةٍ في الجنة، فقال:
«أنا وكافلُ اليتيمِ في الجنّةِ كهاتين، وأشار بالسبابةِ والوسطى» رواه البخاري.
وحريٌّ بنا أن نُبيّن المقصودَ باليتيم؛ فاليُتمُ في اللغةِ: الانفرادُ، يُقال: بيتٌ يتيمٌ؛ أي: فريدٌ لا نظيرَ له. وأمّا في الشرعِ: فهو من مات أبوه قبل البلوغ، فإذا بلغ زال عنه هذا الوصف؛ لقول النبي ﷺ:
«لا يُتمَ بعدَ احتلام» رواه أبو داود.
وقد يُطلق مجازًا على من فقد أباه بعد البلوغ.
ولعلّ في ميلاد النبي ﷺ يتيمًا حكمةً بالغةً، ومواساةً عظيمةً للأيتام؛ إذ كان ﷺ أسوةً وقدوةً، فمشاركته لهم هذا الوصف جبرٌ لخواطرهم، ورحمةٌ من الله بهم، وتشريفٌ لهم أن اجتمعوا مع نبيّهم في هذه الصفة.
ومن أطيبِ الصالحات الإحسانُ إلى اليتامى، والسعيُ في إصلاحهم؛ فقد قال تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 220]، والإصلاحُ يشمل تهذيبَهم، وتربيتَهم تربيةً رشيدةً قويمة.
وجعل النبي ﷺ في الإحسانِ إلى اليتيم دواءً لقسوةِ القلوب؛ إذ قال لرجلٍ شكا قسوةَ قلبه:
«أتحبُّ أن يلينَ قلبُك وتُدرِكَ حاجتَك؟ ارحمِ اليتيم، وامسحْ رأسَه، وأطعِمْه من طعامِك؛ يَلِنْ قلبُك وتُدرِكْ حاجتَك» أخرجه الطبراني.
وفي هذا إشارةٌ جليّةٌ إلى أبوابِ الخير التي تُفتح للمحسنِ إلى اليتيم، وقد نبّه العلماءُ إلى أن معالجةَ أمراضِ القلوب تكون بأضدادها؛ فالكِبرُ يُداوى بالتواضع، والبخلُ بالسخاء، وقسوةُ القلبِ بالرحمةِ والرِّقّة.
وينبغي للمسلم إذا أحسن إلى اليتيم أن يُخلص النيّةَ لله، وأن يجبر خاطرَه، وألا يُشعره بنقصٍ أو ضعف.
فهنيئًا لكلِّ جارٍ يُحسن إلى جارِه اليتيم، ولكلِّ معلّمٍ يُكرم تلميذَه، ولكلِّ طبيبٍ يراعي ظروفَه، ولكلِّ من يعامله معاملةَ أبنائه؛ فقد قال النبي ﷺ:
«من ضمَّ يتيمًا بين مسلمين في طعامِه وشرابِه حتى يستغنيَ عنه وجبتْ له الجنة» رواه أبو يعلى.
إن المجتمعَ الذي لا يُشعر اليتيمَ بيُتمه لمجتمعٌ راقٍ، جديرٌ بالاحترامِ والتقدير.
