بالفيديو.. مرافعة مؤثرة للنيابة في قضية “عمى 75 مريضًا” بالدقي: الإهمال لا يصرخ قبل أن يقتل
في جلسة لافتة أمام محكمة جنح الدقي، كشفت النيابة العامة تفاصيل صادمة في محاكمة 10 متهمين من أطباء ومسؤولين بـ مستشفى السادس من أكتوبر للتأمين الصحي، على خلفية اتهامهم بالتسبب في إصابة 75 مريضًا بمضاعفات جسيمة في العين وصلت إلى فقدان البصر، نتيجة إهمال طبي متعدد المستويات.
النيابة: الإهمال يتسلل في صمت ويدمر بلا إنذار
استهل عمرو خالد، رئيس نيابة حوادث شمال الجيزة، مرافعته أمام المحكمة برئاسة القاضي مينا فايز، بالتأكيد على أن أخطر ما في الإهمال أنه لا يظهر فجأة، بل “يتسلل في صمت تاركًا وراءه أرواحًا مهدرة وحقوقًا ضائعة وثقة مهزوزة في مؤسسات لا يُفترض فيها الخطأ”.
وأضاف أن المشرّع لم يُجرّم الإهمال عبثًا، بل لحماية المجتمع من الانهيار الذي قد يحدث ليس فقط بفعل الجرائم العمدية، وإنما أيضًا عند غياب الضمير وتحول أداء الواجب إلى مجرد إجراءات روتينية بلا رقابة أو إحساس بالمسؤولية.
القضية: 75 مريضًا بين الأمل والظلام
أوضحت النيابة أن القضية تتعلق بـ 75 مريضًا خضعوا لعمليات إزالة المياه البيضاء (تغيير عدسة العين) داخل قسم الرمد بالمستشفى خلال الفترة من 18 أغسطس حتى 1 سبتمبر 2025.
وكان الهدف من تلك العمليات استعادة البصر والتخلص من “عتامة العدسة”، إلا أن النتائج جاءت عكسية، حيث تدهورت حالة المرضى بشكل حاد، وأصيب عدد كبير منهم بعدوى شديدة داخل العين، أدت إلى التهابات قيحية وتراجع حاد في الإبصار، بل وفقدان البصر في بعض الحالات.
شهادات المرضى: من النور إلى العمى
استندت النيابة في أول أدلتها إلى أقوال المجني عليهم، الذين أكدوا جميعًا تعرضهم لمضاعفات خطيرة عقب العمليات، استدعت خضوع بعضهم لتدخلات جراحية جديدة، وتحويل آخرين إلى مستشفيات جامعية وخاصة لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وأجمع المرضى على أن سبب تلك المضاعفات يعود إلى انتشار ميكروبات داخل غرفة العمليات نتيجة عدم الالتزام بإجراءات التعقيم السليمة.
تقارير وزارة الصحة: مخالفات جسيمة وإدارة فاشلة
كشفت شهادة الدكتورة هبة معوض، رئيس لجنة المراجعة الداخلية والحوكمة بوزارة الصحة، عن وجود مخالفات جسيمة، شملت:
- تقصير مدير المستشفى في الإشراف والتنسيق واتخاذ الإجراءات الوقائية
- فشل رئيس قسم مكافحة العدوى في التعامل مع البلاغات وتفعيل الإجراءات الاحترازية
- استمرار إجراء العمليات رغم ظهور حالات إصابة مبكرة
- غياب الرقابة على الفريق الطبي وسير العمل داخل العمليات
- عدم قياس حدة الإبصار قبل وبعد العمليات
وأكدت أن المسؤولية “مشتركة” بين جميع المتهمين نتيجة تكامل أوجه القصور، ما أدى إلى بيئة طبية غير آمنة.
لجنة مكافحة العدوى: تلوث الأجهزة وانتقال العدوى
أثبتت تقارير لجنة مكافحة العدوى وجود تلوث داخل الوصلات المتصلة بجهاز “الفاكو” المستخدم في العمليات، نتيجة عدم تعقيمها بشكل كامل بين كل مريض وآخر.
وأشارت إلى أن قلة الأدوات مقارنة بكثافة العمليات اليومية، وعدم كفاية إجراءات التعقيم، ساهمت في تفشي العدوى وانتقالها بين المرضى.
جهاز “الفاكو”: خطر خفي داخل غرفة العمليات
أوضحت تقارير الهندسة الطبية أن جهاز “الفاكو” المستخدم:
- جهاز متقادم تجاوز عمره الافتراضي
- لا توجد له شهادات صيانة أو معايرة
- تم تشغيله دون الالتزام بتعليمات الشركة المصنعة
- جرى تعقيم أجزائه بطرق مخالفة (البلازما بدلًا من التعقيم بالبخار)
كما ثبت استخدام الجهاز بشكل مكثف يوميًا بما يتجاوز الحد الآمن، ما زاد من احتمالية نقل العدوى.
الطب الشرعي: عدوى جماعية وليست مضاعفات فردية
حسم تقرير مصلحة الطب الشرعي الجدل، مؤكدًا أن الحالات تمثل “تفشيًا عدويًا جماعيًا” وليس مجرد مضاعفات طبية فردية.
وأوضح أن نوع البكتيريا المكتشفة (مثل Pseudomonas وKlebsiella) يرتبط عادة ببيئات طبية ملوثة، وليس بجسم المريض، ما يؤكد أن مصدر العدوى هو بيئة المستشفى أو الأدوات المستخدمة.
كما أشار إلى أن بعض الإصابات أسفرت عن عاهات مستديمة وفقدان كامل للبصر.
النيابة: الطب رسالة.. وما حدث خيانة للأمانة
شددت النيابة في مرافعتها على أن مهنة الطب “رسالة إنسانية” تقوم على الرحمة والضمير، وليست مجرد مهارة تقنية، مؤكدة أن طبيب العيون تحديدًا يتحمل مسؤولية مضاعفة نظرًا لخطورة التعامل مع نعمة البصر.
وأضافت أن ما حدث يمثل “مفارقة مؤلمة”، حيث تحولت غرفة العمليات من مكان للشفاء إلى مصدر للعدوى، وأصبح الطبيب — بدلًا من إزالة الغشاوة — سببًا في فقدان النور.
“إذا غاب الضمير حضر القانون”
اختتمت النيابة مرافعتها بالتأكيد على أن القسم الطبي التزام قانوني وأخلاقي، وليس مجرد كلمات، مشددة على ضرورة محاسبة المسؤولين.
وقالت: “إذا غاب الضمير، وجب أن يحضر القانون”، في رسالة واضحة بأن العدالة ستأخذ مجراها لضمان عدم تكرار مثل هذه الكوارث.







