ليس أشدَّ على النفس ألماً من أن ترى ميزان القيم وقد اختل، حتى صار بعض الناس يزهد في مناهل العلم العريقة، ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ثم لا يكتفي بذلك، بل يرفع لواء الاتهام والتكفير في وجه مؤسساتٍ طالما كانت حصناً للأمة، ودرعاً لعقيدتها، ومشعلاً لهدايتها.
وما هذه الحملة التي انفتحت أفواهها هذه الأيام على الأزهر الشريف من بقايا الوهابية إلا صفحة جديدة من فصول الاضطراب الفكري، حيث يعلو الصوت ويخفت البرهان، ويكثر الصخب ويغيب الاتزان. وإن من أعجب العجب أن يبلغ التهوّر ببعضهم حدّ القول بأن دراسة التوراة والإنجيل خيرٌ من الدراسة في الأزهر! وكأن التاريخ قد مُحي، أو كأن الذاكرة قد أُصيبت بعطبٍ مفاجئ، فلم تعد تميز بين منارةٍ أضاءت قروناً، وبين أفكارٍ لم تصمد أمام أول اختبارٍ حقيقي.
إن الأزهر ليس مجرد مؤسسة تعليمية، بل هو روح أمة، وضمير حضارة، وذاكرة علمٍ تراكميٍّ حفظ للأمة وسطيتها حين غلت طوائف، وحماها من الانحراف حين زلت أقدام. فمن ذا الذي يجرؤ على اختزال هذا التاريخ في عباراتٍ متشنجة، أو محاكمته بأدواتٍ لا تعرف إلا الإقصاء؟
ثم إن الطريف المبكي في آنٍ واحد، أن هؤلاء الذين استأسدوا على الأزهر، قد آثروا الصمت أو العجز حين تبدلت الأحوال في بيئاتهم، وتحوّلت بوصلة الاهتمام من “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” إلى فضاءاتٍ أخرى لا تخفى على أحد. فهناك—حيث كان الصوت عالياً يوماً—خفت، وحيث كان التشدد شعاراً—ذبل، وحيث كانت الوصاية تُمارس—تراجعت أمام موجاتٍ جديدة لا تُبقي ولا تذر.
وهنا يبرز السؤال الموجع: لماذا يُشهر السيف على الأزهر وحده؟ ولماذا يُنتقى ميدان المعركة بعنايةٍ بحيث يكون بعيداً عن مواطن التحدي الحقيقية؟ أهي شجاعةٌ أم انتقائية؟ أم هو ذاك الداء القديم الذي يجعل المرء يرى القذى في عين غيره، ويغفل عن الجذع في عينه؟
إن النقد حين يكون علمياً رصيناً مرحبٌ به، بل هو ضرورة من ضرورات الحياة الفكرية، ولكن أن يتحول إلى سبابٍ، أو إلى دعوات تكفيرٍ، فذلك ليس من العلم في شيء، بل هو من فوضى القول، وسفه الطرح، وضيق الأفق.
ولعل أولى خطوات الإصلاح أن ينشغل الإنسان ببيته قبل أن يقتحم بيوت الآخرين، وأن يطهر ساحته قبل أن يدّعي تطهير العالم. فالنقد الذي لا يبدأ من الذات، ولا يمر بميزان العدل، ولا يتجرد من الهوى، إنما هو صدىً لضجيجٍ لا طائل منه.
أما الأزهر، فسيظل—رغم كل شيء—واقفاً في مكانه، كالنخلة التي لا تعبأ بحجارة الصغار، لأنها تعرف أن جذورها أعمق من أن تُقلع، وأن ثمرها أبقى من أن يُنكر.
فاستقيموا يرحمكم الله… فإن الاستقامة في الفكر قبل السلوك، والعدل في القول قبل الحكم، ومن لم يعرف قدر العلم، فلن يعرف كيف يتكلم عنه.
