تفاصيل آخر تكريم للفنانة الراحلة زينب السجيني من قطاع الفنون التشكيلية في 2025
غيب الموت عن عالمنا صباح أمس الثلاثاء، الفنانة التشكيلية الرائدة الدكتورة زينب السجيني، عن عمر يناهز 95 عاماً، لتطوي بذلك صفحة مشرقة من تاريخ الفن المصري المعاصر، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الأكاديمي والإبداع الفني الذي جعل منها واحدة من أبرز الأسماء في مدرسة التصميم والتصوير المصري، زينب السجيني لم تكن مجرد فنانة عابرة، بل كانت كياناً فنيًا متكاملاً، نجحت عبر عقود طويلة في بناء جسور من التواصل بين الفن المصري القديم بمفرداته الجدارية الصارمة، وبين الرؤية الحديثة التي تنفتح على الفراغ والحركة، وقد نعت الأوساط الثقافية والفنية الراحلة بكلمات تفيض بالأسى، مؤكدة أن الساحة التشكيلية فقدت أستاذة جيل كامل، كانت ترى في اللوحة أداة لاختبار علاقة الإنسان بالمكان، ومختبراً حياً للإيقاع البصري المتصل الذي لا يتوقف عند حدود الإطار الخشبي للعمل الفني، بل يمتد ليشمل الفضاء العام برؤية فلسفية عميقة.
وقبل رحيلها بفترة وجيزة، وتحديداً خلال شهر فبراير من عام 2025، شهدت الساحة الفنية آخر تكريم رسمي لهذه القامة الكبيرة، حيث أعلن قطاع الفنون التشكيلية عن تكريم الدكتورة زينب السجيني ضمن فعاليات المعرض العام في دورته الخامسة والأربعين، الذي انعقد بقصر الفنون بدار الأوبرا المصرية، وكان هذا التكريم بمثابة تحية تقديرية من الدولة المصرية ومن الوسط التشكيلي لتجربة فنية فريدة، جعلت من التكوين لغة عالمية، حيث تم تسليط الضوء على قدرتها الفائقة في توظيف العناصر البصرية لخلق حوار متناغم بين المساحات الملونة والخطوط التوجيهية، هذا التكريم المتأخر في توقيته، والعظيم في قيمته، عكس مدى الاحترام الذي تكنه المؤسسات الرسمية لزينب السجيني، التي ظلت حتى أيامها الأخيرة رمزاً للإخلاص الفني والتفرد الذي لا يقبل الاستنساخ أو التكرار الممل.
المسيرة الأكاديمية والفنية: من "الفنون الجميلة" إلى العالمية
ولدت الفنانة الراحلة في قلب القاهرة عام 1930، ونشأت في مناخ ثقافي ثري مكنها من الالتحاق بكلية الفنون الجميلة، لتتخرج في قسم الفنون الزخرفية عام 1956، وهو العام الذي شهد بزوغ نجمها كواحدة من الوجوه الواعدة في حركة الفن التشكيلي، لم تتوقف زينب السجيني عند عتبة التخرج، بل واصلت دراستها في المعهد العالي للتربية الفنية عام 1957، لتعمق من رؤيتها الفلسفية والتربوية للفن، وتوجت مسيرتها العلمية بالحصول على درجة الدكتوراه في فلسفة التربية الفنية عام 1978، وهو ما أهلها لشغل مناصب أكاديمية رفيعة، كان أبرزها رئاسة قسم التصميمات بكلية التربية الفنية بجامعة حلوان، قبل أن تستقر كأستاذ متفرغ بالقسم، تمنح خبراتها للأجيال المتعاقبة، هذا المزج بين الممارسة الإبداعية والبحث الأكاديمي جعل من أعمالها مادة غنية للدراسة والتحليل، حيث تتجلى فيها القواعد العلمية للتصميم جنباً إلى جنب مع الانطلاق الوجداني الحر.
وعلى الصعيد الفني، تركت زينب السجيني خلفها ثروة بصرية هائلة، تمثلت في 15 معرضاً فردياً وأكثر من 50 مشاركة في معارض جماعية محلية ودولية، وامتازت أعمالها بأنها امتداد مدروس للفن المصري القديم، حيث تأثرت بعظمة الجداريات الفرعونية وبساطتها في آن واحد، ومع ذلك، لم تكن زينب السجيني فنانة مقلدة للتراث، بل كانت تعيد إنتاجه بروح عصرية، الخطوط في لوحاتها ليست مجرد حدود فاصلة بين الألوان، بل هي إشارات بصرية توجه إدراك المشاهد وتخلق نوعاً من التكرار الإيقاعي الذي يحاكي نبض الحياة الحرة، إن قدرتها على جعل العنصر الفني يتنفس داخل الفراغ، وجعل الفراغ جزءاً أصيلاً من حكايات اللوحة، هو ما منح أعمالها صبغة عالمية وجعلها تستقر في كبرى المتاحف والمجموعات الخاصة كشاهد على عبقرية الفنان المصري في تطويع المادة لخدمة الفكر.
فلسفة التكوين والإيقاع البصري في مدرسة زينب السجيني
إن المتأمل في تجربة زينب السجيني يدرك سريعاً أنها لم تتعامل مع اللوحة كسطح أصم، بل كفضاء حيوي لاختبار القوى البصرية، فالتكوين عندها هو أداة لاختبار العلاقة الجدلية بين الشكل ككتلة ملموسة وبين الفراغ كقيمة معنوية ومادية، في أعمالها، لا ينفصل العنصر عن امتداده، بل يذوب فيه عبر إيقاع بصري متصل يجعل العين تنتقل بسلاسة من نقطة إلى أخرى دون انقطاع، هذا الإيقاع هو ما يمنح اللوحة استمراريتها خارج الإطار، وكأن الفنانة أرادت أن تقول إن الفن هو حالة ممتدة لا تحده الجدران، الخطوط عندها تبدو وكأنها ترسم ملامح الروح قبل ملامح الوجه، والمساحات اللونية تتبادل الأدوار مع الفراغ لخلق توازن بصري يريح النفس ويحفز العقل على التفكير في أصل الأشياء ومنتprivateها، وهو ما جعل مدرستها في التصميم مرجعاً هاماً لكل الباحثين في جماليات الفن الحديث.
رحيل زينب السجيني يمثل خسارة فادحة، لكنه يفتح الباب أمام الباحثين لإعادة قراءة تجربتها التي امتدت لما يقرب من القرن، فما تركته من مؤلفات أكاديمية وأعمال فنية وتلاميذ في كل ربوع مصر، يضمن بقاء اسمها حياً في وجدان الحركة التشكيلية، لقد رحلت السجيني بجسدها، لكن "إيقاعها البصري" سيظل يتردد في قاعات الفنون وممرات الجامعات، مذكراً الجميع بأن الفن الحقيقي هو الذي يبدأ من الجذور ويحلق في آفاق الحداثة بكل ثقة واقتدار، ومع تكريمها الأخير في عام 2025، تكون الدولة قد وضعت وساماً على صدر مسيرة لم تعرف الكلل، لتظل زينب السجيني شمسًا تشرق في سماء الفن التشكيلي المصري مهما تعاقبت الأجيال، ملهمةً للمبدعين الذين يبحثون عن الأصالة والتفرد في عالم يضج بالتكرار.