ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

إبراهيم عبد المجيد في "كلم ربنا".. شهادة إيمانية تزلزل القلوب عن سر "اللطيف"

إبراهيم عبد المجيد
إبراهيم عبد المجيد

في شهادة إنسانية بالغة المؤثرية والعمق، حل الروائي القدير إبراهيم عبد المجيد ضيفاً على برنامج "كلم ربنا" عبر الراديو 9090 مع الكاتب الصحفي أحمد الخطيب، ليفتح قلبه وذاكرته على مواقف لم تكن مجرد ذكريات عابرة، بل كانت نقاط تحول روحية رسمت ملامح يقينه الراسخ، وانطلق عبد المجيد في حديثه من "جذر اليقين" الأول في حياته، وهو والده الرجل الطيب الذي كان من حفظة القرآن الكريم، والذي تعرض لظلم وظيفي كاد أن ينهي مستقبله المهني ويشرد أسرته.

 ويروي الأديب الكبير مشهداً سريالياً محفوراً في وجدانه منذ الطفولة، حين رأى سقف الغرفة ينشق ويظهر طائر غريب كإشارة طمأنينة لوالده الذي كان يناجي ربه بنداء "يا لطيف"، تلك اللحظة لم تكن مجرد رؤية بصرية بل كانت زراعة لبذرة الإيمان في روح الطفل الذي أصبح فيما بعد أحد أعظم روائيي العرب، ليتحقق الوعد في اليوم التالي بتبرئة والده ونجاته من المحنة، وهو ما رسخ لديه قاعدة ذهبية لا تزال تحكم حياته حتى اليوم: "يحلها من لا يغفل ولا ينام".

ولم تكن رحلة إبراهيم عبد المجيد مع "اللطيف" مقتصرة على كرامات الوالد، بل امتدت لتختبر صدق يقينه في ذروة أزماته الشخصية، حيث كشف عن لحظة فارقة عاشها حين ضاقت به سبل الرزق لدرجة أنه عجز عن توفير وجبة العشاء لأبنائه، وفي مشهد يعكس قسوة الواقع وعزة النفس في آن واحد، اضطر لإعادة زجاجة زيت ليبتاع بثمنها طعاماً بسيطاً لأسرته، لكنه وفي تلك الليلة المظلمة، لم ييأس بل استدعى إرث والده وكلم ربه بقلب منكسر وصوت خفيض منادياً "يا لطيف"، ولم تشرق شمس اليوم التالي إلا وكان القدر يخبئ له مكافأة صبره، باتصال هاتفي من المخرج الكبير يحيى العلمي في التاسعة صباحاً، طالباً شراء حقوق روايته "لا أحد ينام في الإسكندرية" لتحويلها إلى عمل تليفزيوني مقابل مبلغ مالي ضخم في ذلك الوقت، ليتجلى لُطف الله في تحويل العدم إلى وفرة في أقل من اثنتي عشرة ساعة، مؤكداً أن الاستجابة تأتي دائماً حين تبلغ القلوب الحناجر وتتعلق الأبصار بمن يملك ملكوت كل شيء.

فلسفة الانكسار واليقين: لماذا يتجلى الله في لحظات الضعف الإنساني؟

يطرح إبراهيم عبد المجيد من خلال تجربته رؤية فلسفية عميقة حول العلاقة بين الإنسان وخالقه، مؤكداً أنه رغم تنوع مراحله الفكرية والثقافية، إلا أن فكرة وجود الله ظلت هي الثابت الوحيد في حياته، ويرى صاحب "لا أحد ينام في الإسكندرية" أن شعور الإنسان بوجود الله في حالة الضعف يكون أقوى وأعمق منه في حالة القوة، حيث يتجرد الإنسان في لحظة العجز من كل أسلحته المادية ولا يتبقى له سوى خيط اليقين الواصل بالسماء، هذا الضعف الذي يصفه الأديب ليس هواناً، بل هو بوابة العبور إلى رحاب اللطف الإلهي، مشيراً إلى أن كل إنسان مهما بلغت قوته أو مكانته لابد أن يمر بلحظة ضعف قصوى تكون هي الاختبار الحقيقي لإيمانه، ومن هنا تأتي أهمية المناجاة الصادقة التي وصفها بأنها "سر الحياة" الذي ورثه عن والده، والذي جعله يواجه تقلبات الزمان بروح هادئة ونفس مطمئنة.

إن هذه التجربة التي سردها عبد المجيد ليست مجرد حكاية عن الرزق أو النجاة من الظلم، بل هي درس في "سيكولوجية الإيمان" وكيف يمكن لليقين أن يغير الواقع المادي، فالروائي الذي نام جائعاً استيقظ وهو يملك ثمن روايته التي أصبحت فيما بعد علامة فارقة في تاريخ الدراما والأدب، وكأن الله أراد أن يربط بين نداء "يا لطيف" وبين خلود أثره الأدبي، وتؤكد هذه الشهادة أن الأدب الحقيقي ينبع من تجارب روحية صادقة، وأن كبار المبدعين هم أولئك الذين استطاعوا الربط بين معاناتهم الإنسانية وبين القوى الغيبية التي تدير هذا الكون، مما يمنح أعمالهم صبغة الخلود والقدرة على ملامسة شغاف قلوب القراء الذين يبحثون دائماً عن بصيص أمل وسط عتمة الأزمات المالية والاجتماعية.

أثر "كلم ربنا" في الوعي الجمعي: كيف استعاد إبراهيم عبد المجيد لغة السماء؟

تأتي أهمية حديث إبراهيم عبد المجيد في برنامج "كلم ربنا" من كونه يعيد الاعتبار للخطاب الإيماني الفطري والبسيط بعيداً عن التعقيدات، فكلماته عن والده وعن زجاجة الزيت وعن اتصال يحيى العلمي، تخلق حالة من التماهي بينه وبين المواطن العادي الذي يواجه صعوبات الحياة اليومية، لقد استطاع عبد المجيد أن ينقل "نداء الوالد" من حجرته الصغيرة إلى آلاف المستمعين، محولاً تجربة شخصية إلى منهج حياة لمن "ضاقت بهم الأرض بما رحبت".

 إن رسالة الأديب الكبير تتجاوز حدود الحكاية لتصل إلى عمق الفكرة، وهي أن الله لا يغفل ولا ينام، وأن الصبر على البلاء مع حسن الظن بالخالق هو المفتاح السحري لكل الأبواب المغلقة، وبذلك يتحول الروائي من كاتب يسرد القصص إلى شاهد على معجزات "اللطيف" في العصر الحديث.

وفي ختام تحليله، يشدد إبراهيم عبد المجيد على أن الثبات الإيماني هو العاصم الوحيد للإنسان في عالم مضطرب، فمراحل الفكر قد تتغير والمذاهب قد تتبدل، لكن الفطرة التي تنادي الخالق في جوف الليل تظل هي البوصلة الصحيحة.

إن قصة إبراهيم عبد المجيد مع "لا أحد ينام في الإسكندرية" ستبقى واحدة من أجمل قصص جبر الخواطر الإلهي، تذكرنا دائماً أن الذي شق السقف لوالده هو نفسه الذي سخر له المخرج الكبير في لحظة احتياج، وأن اللطيف الذي يرزق الطير في كبد السماء لا ينسى روائياً تعثرت به السبل، ليؤكد للجميع أن المعجزات لا تزال تحدث لمن يملك قلباً سليماً ويقيناً لا يتزعزع في أن "من يتقِ الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب".

تم نسخ الرابط