ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

مجزرة بحر البقر: تاريخ من الدم يربط بين فصول مدرسة الشرقية وركام المدارس في فلسطين

مجزرة بحر البقر
مجزرة بحر البقر

تحل اليوم ذكرى واحدة من أبشع الجرائم التي سجلها التاريخ الإنساني الحديث، وهي "مجزرة بحر البقر"، التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي في الثامن من أبريل عام 1970، في تلك الصباحية الدامية، لم تكن مدرسة بحر البقر بمحافظة الشرقية سوى بناء بسيط يضم أحلام أطفال قرويين، قبل أن تشن خمس طائرات من طراز "إف-4 فانتوم" غارة جوية غادرة، مستخدمة قنابل تزن ألف رطل وصواريخ موجهة، مما أدى إلى تحويل المدرسة إلى ركام فوق رؤوس تلاميذها الصغار.

وأسفرت هذه الهمجية عن استشهاد 30 طفلاً وإصابة أكثر من 50 آخرين بجروح بليغة وعاهات مستديمة، في حادثة لم تكن مجرد خطأ عسكري كما زعم الاحتلال حينها، بل كانت تجسيداً لعقيدة قتالية تضع المدنيين والأطفال في بنك أهدافها لإحداث صدمة نفسية وسياسية، وهو النهج الذي يعيد التاريخ تكراره اليوم بوضوح في الأراضي الفلسطينية عبر قصف المدارس التابعة للأونروا والمستشفيات المكتظة بالنازحين.

وتشير التحليلات التاريخية والأدبية، ومنها ما ورد في كتاب "نافذة وعي" للدكتورة فاطمة الشاملي، إلى أن أعمار الضحايا تراوحت بين 6 و12 عاماً، وهم في مقتبل العمر لا يملكون من السلاح سوى أقلامهم وكراريسهم.

 إن هذا الهجوم لم يكن وليد الصدفة، بل جاء في ذروة "حرب الاستنزاف"، حيث سعى الاحتلال للضغط على الجبهة الداخلية المصرية لكسر إرادة الصمود، ومع ذلك، انقلب السحر على الساحر، إذ تحولت دماء أطفال بحر البقر إلى وقود زاد من اشتعال الروح الوطنية المصرية، وساهمت الحملة الإعلامية المكثفة التي قادتها الحكومة المصرية وقتها في فضح الوجه القبيح للاحتلال أمام الرأي العام العالمي، ورغم الاستنكار الدولي الواسع، ظلت هذه الجريمة بلا عقاب رسمي، مما أسس لسياسة "الإفلات من العقاب" التي شجعت الاحتلال على تكرار ذات المجازر في لبنان وفلسطين على مدار عقود.

عقيدة استهداف المنشآت المدنية: من بحر البقر 1970 إلى غزة 2026

إن المتأمل في مسار الصراع العربي الإسرائيلي يدرك أن "مجزرة بحر البقر" لم تكن استثناءً، بل كانت سياسة ممنهجة يتبعها جيش الاحتلال لضرب العمق المدني، فما نشهده اليوم من استهداف متعمد للمستشفيات والمدارس في قطاع غزة والضفة الغربية هو امتداد طبيعي لما حدث في مدرسة الشرقية قبل عقود.

 الاحتلال يستخدم ذات المبررات الواهية، ويسوق ذات الأكاذيب حول "الأهداف العسكرية" المختبئة خلف جدران الفصول الدراسية، لكن الحقيقة التي سجلتها صفحات الكتب والأعمال الأدبية تظل شاهدة على الرغبة في إبادة الأجيال الناشئة، إن مجزرة بحر البقر تظل رمزاً للمأساة الإنسانية التي تسببها الحروب غير العادلة، وتذكر العالم بأن دماء الأبرياء لا تسقط بالتقادم، وأن الذاكرة الجمعية للشعوب قادرة على استعادة حقوق ضحاياها مهما طال الزمن أو تواطأ المجتمع الدولي بالصمت.

ولقد سجلت السينما المصرية والأدب العربي هذه المأساة في أعمال خالدة، لتبقى صور الكراسات الملطخة بالدماء والشنط الممزقة حاضرة في ذهن كل جيل.

 هذا التوثيق لم يكن بغرض البكاء على الأطلال، بل لترسيخ الوعي حول طبيعة الصراع، وتوضيح أن العدوان الذي يضرب المدارس اليوم هو نفس العدوان الذي استهدف أطفال قرية بحر البقر، إن هذه الذكرى في عام 2026 تكتسب أهمية مضاعفة، كونها تأتي في ظل تصعيد غير مسبوق بالمنطقة، مما يستوجب إعادة قراءة التاريخ لفهم الحاضر، وتأكيد أن إرادة الشعوب في التحرر والحياة هي أقوى من قنابل "الفانتوم" وأحدث الطائرات المقاتلة، فمدرسة بحر البقر لم تكن مجرد مبنى دُمر، بل أصبحت منارة للوعي الوطني تذكرنا بأن ثمن الحرية غالٍ، وأن حماية الأطفال هي القضية الأسمى في معركة الوجود.

تم نسخ الرابط