بلهجة تصعيدية.. ترامب يوجه رسالة "الرد الأقوى" لإيران عبر منصة تروث سوشيال
دخلت العلاقة بين واشنطن وطهران منعطفاً جديداً وشديد الخطورة، حيث رفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سقف التهديدات إلى مستويات غير مسبوقة، متوعداً الجانب الإيراني بهجوم عسكري وصفه بأنه "لم يشهد أحد مثله من قبل"، وذلك في حال فشل طهران في الالتزام الكامل بما وصفه بـ "الاتفاق الحقيقي".
وتأتي هذه التصريحات في توقيت حساس للغاية، حيث تترقب الدوائر السياسية العالمية انطلاق جولة مفاوضات حاسمة في باكستان، وهو ما يعكس استراتيجية ترامب القائمة على "الضغط الأقصى" الممزوج بالتلويح بالقوة العسكرية الفتاكة لإرغام الخصوم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف، مما يضع المنطقة بأكملها على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة إذا ما تعثرت المساعي الدبلوماسية المرتقبة.
تهديدات ترامب الصارمة
استخدم الرئيس ترامب منصته الخاصة "تروث سوشيال" ليبث رسائل نارية ومباشرة، أكد فيها أن القوات العسكرية الأمريكية، بما تشمله من أساطيل بحرية وطائرات مقاتلة وقوات برية، ستظل في مواقعها الاستراتيجية ليس فقط للمراقبة، بل لتنفيذ عمليات قتالية وصفها بـ "الفتاكة" وتدمير ما تبقى من قوة عدو تم إضعافه بالفعل عبر سنوات من العقوبات. وشدد ترامب في تدوينته على أن أي محاولة للإخلال ببنود الاتفاق المرتقب أو الالتفاف عليه ستقابل برد عسكري سيكون "أكبر وأفضل وأقوى" مما رآه العالم في أي صراع سابق، وهي لغة تشير بوضوح إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تنوي تقديم أي تنازلات جوهرية، بل تسعى لفرض واقع جديد ينهي الطموحات النووية الإيرانية بشكل قطعي ونهائي.
شروط الاتفاق الحقيقي
أوضح الرئيس الأمريكي أن "الاتفاق الحقيقي" الذي يسعى لفرضه يتلخص في شرطين أساسيين لا يقبلان التفاوض أو التأويل، الأول هو ضمان عدم امتلاك إيران لسلاح نووي تحت أي ظرف من الظروف، وهو المبدأ الذي تراه واشنطن خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه لحماية أمن حلفائها في المنطقة، أما الشرط الثاني فيتعلق بالأمن الملاحي والاقتصاد العالمي، حيث يصر ترامب على بقاء مضيق هرمز مفتوحاً وآمناً أمام حركة التجارة الدولية وتدفق إمدادات الطاقة. وأضاف ترامب بلهجة ملؤها التحدي أن الجيش الأمريكي لا يكتفي بحالة الاستعداد الكامل، بل إنه "يتطلع إلى معركته القادمة"، في إشارة واضحة إلى الجاهزية النفسية والقتالية للقوات الأمريكية لخوض غمار مواجهة مباشرة إذا ما اختارت طهران طريق التصعيد.
رسائل فانس قبل باكستان
بالتوازي مع تصريحات ترامب، جاءت رسائل نائب الرئيس جي دي فانس لتكمل صورة الموقف الأمريكي المتشدد، حيث وجه فانس تحذيرات مباشرة إلى القيادة الإيرانية قبل انطلاق مفاوضات باكستان، مؤكداً أن واشنطن تمتلك "أوراقاً قوية" ستستخدمها بصرامة إذا لزم الأمر. ودعا فانس الجانب الإيراني إلى التعامل بجدية مطلقة مع جولة المفاوضات القادمة، مشيراً إلى أن حجم المكاسب الاقتصادية أو السياسية التي قد تحققها طهران مرتبط بشكل طردي بمدى استعدادها لتقديم تنازلات حقيقية وملموسة على أرض الواقع، وخير طهران بين مسارين لا ثالث لهما: إما المضي قدماً في المسار الدبلوماسي الذي يضمن لها البقاء، أو مواجهة عودة حتمية وشاملة للحرب، مؤكداً أن القرار النهائي بات الآن في ملعب طهران.
ملف لبنان ومضيق هرمز
تطرق جي دي فانس إلى نقاط خلافية جوهرية تعيق التقدم في المسار التفاوضي، ومن أبرزها الساحة اللبنانية، حيث أوضح بجلاء أن الولايات المتحدة لم توافق ولن توافق على إدراج ملف لبنان ضمن اتفاق وقف إطلاق النار أو المفاوضات الجارية مع إيران، رغم محاولات المفاوضين الإيرانيين ربط الملفين ببعضهما البعض. واعتبر فانس أن إقحام لبنان في المفاوضات هو "خيار إيراني" لا تعترف به واشنطن، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن إسرائيل أبدت نوعاً من "ضبط النفس" في الجبهة الشمالية فقط لإعطاء فرصة للجهود الدبلوماسية. وفيما يخص مضيق هرمز، حذر نائب الرئيس من أن التزام إيران بفتح المضيق يمثل الاختبار الحقيقي لنياتها، مشدداً على أن أي عرقلة لحركة السفن ستقابل بعواقب "خطيرة للغاية" تتجاوز مجرد العقوبات الاقتصادية.
وفد رفيع لمهمة شاقة
من المنتظر أن تقود واشنطن وفداً رفيع المستوى إلى المفاوضات التي ستستضيفها باكستان يوم السبت المقبل، حيث سيترأس جي دي فانس الوفد بمشاركة شخصيات بارزة ذات ثقل سياسي واقتصادي، مثل المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر الذي يمتلك خبرة واسعة في ملفات الشرق الأوسط. هذا التمثيل الرفيع يعكس الأهمية القصوى التي توليها إدارة ترامب لهذه المحادثات، فيما لمحت المتحدثة باسم البيت الأبيض إلى إمكانية إجراء محادثات مباشرة في إسلام آباد، وهو ما يعد تطوراً لافتاً قد يؤدي إلى كسر الجمود الطويل بين البلدين، أو يكون بمثابة "الإنذار الأخير" قبل اللجوء إلى الخيارات الخشنة التي لوح بها ترامب في تصريحاته الأخيرة.
إن الكرة الآن في ملعب الدولة الإيرانية التي تجد نفسها بين مطرقة العقوبات القاسية وسندان التهديد العسكري المباشر من أقوى جيش في العالم، فبينما تفتح واشنطن باباً ضيقاً للدبلوماسية عبر بوابة باكستان، فإنها تشرع في الوقت ذاته كافة أسلحتها بانتظار أي خطأ استراتيجي قد تقع فيه طهران. سيسجل التاريخ أن هذه المرحلة هي الأكثر حرجاً في تاريخ الصراع الأمريكي الإيراني، حيث لا مكان لأنصاف الحلول في قاموس ترامب، فإما اتفاق شامل يضمن الأمن الإقليمي وفق الرؤية الأمريكية، أو مواجهة عسكرية شاملة قد تغير وجه المنطقة إلى الأبد، وهو ما ستكشف عنه الأيام القليلة القادمة عقب انتهاء جولة مفاوضات إسلام آباد المرتقبة.