السينما التونسية تحتفي بـ "الروندة 13": صرخة إنسانية في وجه السرطان برؤية محمد علي النهدي
شهدت مدينة الثقافة بالعاصمة التونسية حدثاً سينمائياً استثنائياً باحتضانها العرض ما قبل الأول للفيلم الروائي الطويل الجديد "الروندة (الجولة) 13" للمخرج المبدع محمد علي النهدي، وسط أجواء مفعمة بالتقدير وحضور نخبوي لافت من صناع السينما والجمهور والنقاد الذين توافدوا لمتابعة هذا العمل الذي طال انتظاره.
يأتي هذا الفيلم ليعزز المكتبة السينمائية التونسية بتجربة درامية عميقة، حيث شارك في بطولته كوكبة من ألمع النجوم وعلى رأسهم عفاف بن محمود وحلمي الدريدي، والطفل الموهوب الهادي جويرة، بالإضافة إلى مشاركة مميزة للفنان القدير الأمين النهدي وسلوى بن محمد وسماح السنكري، ليقدموا معاً لوحة إنسانية تتجاوز حدود الشاشة لتلامس واقعاً مريراً تعيشه العديد من العائلات في مواجهة الأمراض المستعصية، مصوراً الصراع النفسي والاجتماعي الذي يفرضه القدر على الإنسان حين يجد نفسه مضطراً لخوض معركة لم يختارها.
سيكولوجية الشخصية والتحول من حلبة الرياضة إلى حلبة الحياة
تتمحور القصة الدرامية لفيلم "الروندة 13"، وهو التجربة الروائية الطويلة الثانية في مسيرة النهدي بعد فيلمه "معز الطريق الأسود"، حول شخصية "كمال" التي جسدها ببراعة الفنان حلمي الدريدي، وهو بطل ملاكمة إفريقي سابق قرر اعتزال القفازات والابتعاد عن الأضواء بحثاً عن السكينة والهدوء العائلي. غير أن القدر كان يخبئ له جولة ثالثة عشرة لم تكن في الحسبان، فبعد حادث مدرسي بسيط، يكتشف كمال وزوجته إصابة ابنهما الوحيد "صبري" بورم خبيث، لتبدأ من هنا معركة كمال الحقيقية التي لا تحسمها النقاط أو الضربات القاضية، بل الصبر والتضحية والأمل الضئيل في البقاء. هذا التحول الدرامي يعكس فلسفة المخرج في تقديم "البطل" ليس كرياضي مفتول العضلات فحسب، بل كأب يحترق من الداخل ليمنح ابنه فرصة جديدة للحياة، مما جعل الأحداث تتحول إلى رحلة إنسانية غائرة في النفس البشرية، تسلط الضوء على معاني الحب المطلق وصراع الوجود في مواجهة الفناء.
تحية لمرضى السرطان وكواليس خمس سنوات من الإنتاج
في تصريحات مؤثرة أعقبت العرض، أكد المخرج محمد علي النهدي أن فيلم "الروندة 13" هو أكثر من مجرد عمل سينمائي، بل هو "نافذة" تطل على معاناة صامتة لآلاف العائلات التي تخوض حروباً يومية ضد مرض السرطان، واصفاً الفيلم بأنه تحية تقدير لكل طفل وأب وأم يواجهون هذا الوحش الخبيث.
وأشار النهدي إلى أن الفكرة ولدت في البداية من رغبة شخصية في تقديم دور ملاكم، لكن مع تطور البحث والكتابة، شعر بضرورة الغوص في قضية إنسانية تمس الواقع التونسي والعالمي، ليخرج العمل في قالب اجتماعي ونفسي معقد استغرق منه خمس سنوات كاملة من العمل المتواصل والجهد الإنتاجي المضني. وأعرب عن فخره بتحقيق هذا الحلم السينمائي الذي يسعى من خلاله لترك أثر باقٍ يتجاوز الترفيه، مؤكداً أن خروج الفيلم للنور يمثل انتصاراً للإرادة الفنية التي تؤمن برسالة الفن في طرح القضايا المسكوت عنها وتحريك الراكد في الوجدان الجمعي.
الاحتفاء الدولي وحصاد الجوائز قبل الانطلاق التجاري
لا ينطلق عرض "الروندة 13" في القاعات التونسية من فراغ، بل يأتي مدعوماً بنجاح دولي مرموق واعتراف نقدي واسع في المحافل السينمائية الكبرى، حيث حصد الفيلم عدة جوائز هامة، كان أبرزها تتويج الفنانة عفاف بن محمود بجائزة أفضل ممثلة في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عن دورها الاستثنائي الذي جسدت فيه آلام الأمومة المكلومة بكل صدق وعمق. ومن المقرر أن تتبع العروض التونسية سلسلة من العروض التجارية في فرنسا وعدد من الدول الأوروبية، مما يؤكد قدرة السينما التونسية على المنافسة في الأسواق العالمية وتقديم قصص محلية بصبغة كونية. إن هذا النجاح يعيد تسليط الضوء على مسيرة محمد علي النهدي، المنحدر من عائلة فنية عريقة، والذي استطاع عبر أفلامه القصيرة السابقة مثل "مشروع" و"في عين الإعصار" أن يثبت جدارته كمخرج يمتلك رؤية بصرية وحسّاً درامياً قادراً على صياغة الواقع بجمالية سينمائية رفيعة.
البعد الأسري والدراما الاجتماعية في سينما النهدي
يُحسب لفيلم "الروندة 13" قدرته على توظيف طاقم عمل متجانس يجمع بين الخبرة الطويلة والوجوه الصاعدة، حيث أضاف حضور الفنان القدير الأمين النهدي ثقلاً درامياً للعمل، معززاً تلك الروابط الأسرية التي تشكل العمود الفقري للقصة. الفيلم لا يقدم صراعاً طبياً فحسب، بل يفكك العلاقات الإنسانية في لحظات الضعف القصوى، وكيف يمكن للأزمة أن تلم شمل الأسرة أو تضعها أمام اختبارات أخلاقية قاسية. إن اختيار المخرج لموضوع الملاكمة كإطار رمزي للصراع يخدم الفكرة الأساسية؛ فالحياة في نظر النهدي هي حلبة كبرى، والإنسان دائماً ما يكون في مواجهة خصم غير مرئي، والمهم ليس تجنب الضربات، بل القدرة على النهوض مرة أخرى بعد كل سقطة. بهذا العمل، يثبت محمد علي النهدي أن السينما الحقيقية هي تلك التي تجرؤ على ملامسة الجرح، وتدعو المشاهد للتفكير في قيمة الحياة واللحظات الهاربة مع من نحب قبل فوات الأوان.