ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

لم يكن فشل المفاوضات في إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران مجرد فرصة ضائعة، بل كان حتمية بنيوية. وما جرى لم يكن انهيارًا للدبلوماسية بقدر ما كان كشفًا عن حدودها الراهنة حين تتنازع القوة والأمن والشرعية في آنٍ واحد.

للوهلة الأولى، بدت المحادثات واعدة على نحو غير معتاد. فقد جمعت خصمين في حوار مباشر وممتد تحت ضغط صراع قائم ووقف إطلاق نار هش. غير أن هذا السياق نفسه جعل الدبلوماسية مُقيَّدة أكثر من كونها مُيسَّرة. فالمفاوضات التي تُعقد في ظل الحرب تميل إلى تضخيم النزعات القصوى لا إلى تشجيع الاعتدال. إذ يأتي كل طرف لا لاستكشاف التسويات، بل لتثبيت المكاسب وتجنّب الظهور بمظهر المتراجع.

تكمن الإخفاقات التحليلية الأساسية في عملية إسلام آباد في عدم التوافق بين الأهداف ووسائل الضغط. فقد تعاملت الولايات المتحدة مع المفاوضات ضمن إطار إكراهي، وكان مطلبها الجوهري استراتيجيًا: فرض قيود دائمة على المسار النووي الإيراني. ويعكس ذلك عقيدة راسخة تقوم على منع الانتشار والالتزامات الأمنية الإقليمية. غير أن أدوات الضغط الإكراهي، بما فيها العقوبات والتهديد العسكري، تكون أكثر فاعلية عندما يعتقد الطرف المقابل أن الامتثال سيعزز أمنه على المدى الطويل. وهذا ما لا تؤمن به إيران. فمن منظور طهران، إن التخلي عن القدرات النووية تحت الضغط سيزيد من هشاشتها بدلًا من أن يقللها.

وهذا يخلق عدم تماثل جوهريًا. فواشنطن ترى أن التراجع النووي شرطٌ مسبق لبناء الثقة، بينما ترى طهران أن الثقة شرطٌ مسبق للتراجع النووي. ولا يقبل أيٌّ من الطرفين هذا التسلسل، ومن دون اتفاق على ترتيب الخطوات، تصبح حتى الحلول الممكنة تقنيًا مستحيلة سياسيًا.

ويظهر مستوى ثانٍ من التوتر التحليلي في مفهوم الشرعية المتفاوض عليها. فإيران دخلت المحادثات لا طلبًا لتخفيف العقوبات فحسب، بل أيضًا للاعتراف بدورها الإقليمي واستقلالها الاستراتيجي. ولم تكن مطالبها، بما في ذلك الانفتاح الاقتصادي وتوسيع النفوذ، مبالغات تفاوضية بقدر ما كانت إشارات إلى المكانة. أما الولايات المتحدة، فصاغت المفاوضات بلغة الامتثال، متوقعةً تغييرًا سلوكيًا قبل منح المنافع. وهذا يكشف عن منطقين تفاوضيين مختلفين: أحدهما يتمحور حول الاعتراف المتبادل، والآخر حول المكافأة المشروطة. وعندما يتصادم هذان المنطقان، تُفسَّر المقترحات بوصفها إهانات لا عروضًا.

أما الثقة، التي كثيرًا ما يُشار إليها من دون تحليل دقيق، فقد أدت دورًا أكثر تحديدًا من مجرد غيابها. فلم يكن الموجود مجرد انعدام الثقة، بل ما يمكن وصفه بالشك المؤسسي. إذ رسخت الدولتان سرديات ترى كل واحدة منهما الأخرى بوصفها مخادعة بنيويًا. وهذا يحوّل التفاوض من عملية لحل المشكلات إلى عملية لتقليل المخاطر. وتُقيَّم التنازلات هنا ليس وفق ما قد تحققه من مكاسب، بل وفق مدى قابليتها للاستغلال. وفي مثل هذا المناخ، حتى الاتفاقات القابلة للتحقق تجد صعوبة في الترسخ، لأن الكلفة السياسية للخطأ تفوق منفعة الصواب.

كما أن توقيت المحادثات ضيّق مساحة الاتفاق أكثر. فالصراع النشط يضغط عملية اتخاذ القرار ويرفع القيود السياسية الداخلية. ويضطر القادة إلى إظهار الصلابة أمام الجمهورين الداخلي والخارجي، خصوصًا أثناء استمرار الاشتباك العسكري. وفي هذه الظروف، يسهل إعادة تصوير التسوية على أنها استسلام. وهكذا أصبحت مفاوضات إسلام آباد محمّلة بمفارقة: كانت ملحّة بسبب الصراع، لكن الصراع نفسه جعل أي تسوية ذات معنى شبه مستحيلة.

وبالنظر إلى المستقبل، فإن تبعات هذا الفشل لن تكون خطية. وبدلًا من ذلك، ستحدد ثلاث ديناميات متداخلة المرحلة التالية.

أولًا، ستستمر حالة عدم الاستقرار بصيغة مضبوطة. فعودة كاملة إلى الحرب ليست حتمية، كما أن خفض التصعيد المستدام ليس مضمونًا أيضًا. والأرجح هو نمط من المواجهة المنضبطة: ضربات محدودة، ونشاط بالوكالة، وإشارات استراتيجية تهدف إلى تعديل موازين القوة دون دفع الأمور إلى تصعيد غير قابل للسيطرة. وهذه معادلة مألوفة في العلاقات الأمريكية–الإيرانية، لكنها باتت أكثر خطورة بسبب القرب الأخير من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

ثانيًا، ستتصاعد الأدوات الاقتصادية باعتبارها أدوات استراتيجية. ويظل مضيق هرمز نقطة ضغط حاسمة، ليس فقط للفاعلين الإقليميين بل للاقتصاد العالمي. وحتى الاضطرابات الجزئية أو التهديدات الموثوقة يمكن أن تُحدث آثارًا غير متناسبة في أسواق الطاقة. ويدرك الطرفان هذا الخلل في التوازن. فبالنسبة إلى إيران، يمنحها ذلك نفوذًا رغم القيود الاقتصادية الأوسع. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فيعزز ذلك أهمية الردع، لكنه يرفع أيضًا الكلفة العالمية لأي خطأ في التقدير.

ثالثًا، لن تختفي الدبلوماسية، لكنها ستتجزأ. فالمفاوضات عالية الظهور، مثل تلك التي جرت في إسلام آباد، يُرجح أن تفسح المجال أمام تواصل غير مباشر ومجزأ. وقد تصبح قنوات الاتصال الخلفية، والوساطة عبر أطراف ثالثة، والترتيبات الخاصة بكل ملف، أكثر قابلية للحياة. وبدلًا من السعي إلى تسوية شاملة، ستركز الجهود المستقبلية على أهداف أضيق مثل تمديد وقف إطلاق النار، أو إدارة عتبات التصعيد، أو تأمين ترتيبات اقتصادية محدودة.

لكن ثمة دلالة أعمق. ففشل إسلام آباد يشير إلى أن الإطار الحالي للدبلوماسية الأمريكية–الإيرانية بات متقادمًا من الناحية المفاهيمية. فهو يفترض أن الحلول التقنية، وآليات التحقق، والحوافز المرحلية، قادرة على تجاوز الخصومة الاستراتيجية. لكن الصراع تجاوز منذ زمن كونه مجرد خلاف تقني. إنه الآن تنافس على النظام الإقليمي، وصدقية الردع، والهوية السياسية. ومن دون معالجة هذه الأبعاد الأوسع، ستظل المفاوضات تمارين متكررة توضح الفروق ولا تحلها.

وبهذا المعنى، لم تفشل إسلام آباد لأن المفاوضين افتقروا إلى المهارة أو الوقت، بل لأنها فشلت لأن بنية المشكلة تتجاوز قدرة النموذج الدبلوماسي القائم. وحتى يعيد أحد الطرفين أو كلاهما ضبط تصوراتهما للأمن والشرعية، فمن المرجح أن تعيد المفاوضات المقبلة إنتاج النمط نفسه: انخراط مكثف، ومناقشات تكتيكية ضيقة، ثم جمود استراتيجي في النهاية.

تم نسخ الرابط