إغلاق مضيق هرمز وأثره على بيروت.. كيف تسببت الحرب في ارتباك سوق الوقود المحلي؟
شهدت أسعار المحروقات في لبنان اليوم الأربعاء، الموافق الخامس عشر من أبريل لعام 2026، موجة جديدة من الارتفاعات التي فرضت ضغوطاً معيشية إضافية على المواطنين، في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد تعيشها البلاد، وسجلت جداول الأسعار الرسمية زيادة في سعر صفيحة البنزين بنوعيه 95 و98 أوكتان بمقدار 10 آلاف ليرة لبنانية، فيما كانت الزيادة الأكبر من نصيب مادة المازوت التي ارتفعت بقيمة 53 ألف ليرة، وهو ما ينذر بموجة غلاء جديدة تطال قطاعات النقل والتدفئة وتشغيل المولدات الخاصة.
وفي المقابل، سجلت قارورة الغاز المنزلي تراجعاً طفيفاً بواقع 20 ألف ليرة، لتعكس هذه التحركات السعرية حجم التقلبات الحادة التي تشهدها المنطقة حالياً، وزيادة أعباء الشحن البحري وتراكم المديونيات التي أثقلت كاهل قطاع الطاقة اللبناني لسنوات طويلة، وتأتي هذه التغيرات في وقت حساس يعاني فيه اللبنانيون من تآكل القدرة الشرائية، مما يجعل من استقرار أسعار الوقود ضرورة حيوية لضمان استمرار الدورة الاقتصادية المتآكلة بفعل الأزمات المتلاحقة.
وبالتوازي مع هذا التغير السعري، تبرز تحولات لافتة وعميقة في مصادر استيراد زيت الوقود (Fuel Oil)، حيث أظهرت البيانات الرسمية انحصار الإمدادات في "المسار التركي" وحده خلال الربع الأول من عام 2026، وهو ما يمثل نهاية حقبة من الاعتماد التاريخي على الخام العراقي الذي كان يشكل الركيزة الأساسية للطاقة في لبنان، ويعود هذا التحول الجذري إلى تعثر التسويات المالية وتراكم المستحقات، مما دفع بيروت للبحث عن بدائل أكثر استدامة في ظل الحرب المستعرة، وتعد هذه الإمدادات القادمة من تركيا الركيزة الأساسية لتشغيل معامل توليد الكهرباء والمصانع الحيوية، مما يجعل الحفاظ على تدفقها ضرورة ملحة لتفادي السقوط في فخ العتمة الشاملة، خاصة مع استمرار الحرب التي ألقت بظلالها على أسواق النفط العالمية وأدت إلى انكماش ملحوظ في تدفقات المشتقات النفطية وتغير قائمة الموردين التقليديين بشكل دراماتيكي ومفاجئ للأسواق المحلية.
خريطة الواردات التركية
كشفت التقارير الصادرة عن وحدة أبحاث الطاقة عن تفاصيل دقيقة لتوزع التدفقات النفطية القادمة من تركيا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، حيث بدأ لبنان عام 2026 باستيراد نحو 9 آلاف برميل يومياً في شهر يناير، وهي كمية كبيرة لم يتم تسجيل مثيل لها في نفس الشهر من العام الماضي، واستمر هذا المعدل خلال شهر فبراير بواقع 9 آلاف برميل يومياً أيضاً، مقارنة بنحو 11 ألف برميل في فبراير 2025، ومع ذلك، شهد شهر مارس الماضي غياباً تاماً لأي شحنات تركية، وهو ما شكل تراجعاً حاداً وصدمة للقطاعات الحيوية التي تعتمد على هذا المورد، ولكن مع دخول الربع الثاني في شهر أبريل الحالي، عادت الإمدادات للظهور مجدداً بمعدل 6.5 ألف برميل يومياً خلال الأيام العشرة الأولى، مما يؤكد بقاء بيروت تحت مظلة الإمداد التركي كخيار وحيد متاح لتشغيل المعامل وتفادي أزمة طاقة كبرى قد تشل الحركة في البلاد.
وتشير الأرقام إلى أن متوسط استيراد لبنان من المشتقات النفطية بشكل عام سجل تراجعاً بنسبة 8.5%، ليصل إلى 119 ألف برميل يومياً خلال الربع الأول من عام 2026، ويعزى السبب الرئيسي لهذا التراجع إلى الانهيار الحاد في واردات شهر مارس الماضي، وهو الشهر الذي شهد بداية الحرب الإقليمية الكبرى، حيث انخفضت الواردات بنسبة 27% لتسجل 82 ألف برميل يومياً فقط، وهو أقل معدل استيراد تشهده البلاد منذ أكثر من 15 شهراً، هذا الانكماش يعكس بوضوح مدى تأثر سلاسل الإمداد بالأوضاع العسكرية الميدانية، وصعوبة تأمين ناقلات النفط في ظل المخاطر الأمنية المتزايدة في حوض المتوسط والشرق الأوسط، مما وضع الحكومة اللبنانية في موقف صعب لإدارة المخزون الاستراتيجي المتناقص وتلبية احتياجات السوق المحلي المتزايدة.
تأثيرات الحرب العالمية
لم تقتصر الأزمة على الداخل اللبناني، بل امتدت لتشمل تداعيات الحرب على أسواق النفط العالمية، حيث أدى إغلاق مضيق هرمز إلى عرقلة وصول الشحنات بانتظام ورفع تكاليف التأمين والشحن إلى مستويات قياسية، وصعدت العقود الآجلة لخام برنت لتصل إلى 95.22 دولار للبرميل، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بشكل طفيف ليحوم حول 91 دولاراً، هذه الفجوة السعرية والارتفاع الكبير في أسعار الخام العالمي ينعكس مباشرة على الفاتورة اللبنانية التي تدفع بالدولار، مما يزيد من الضغط على مصرف لبنان لتأمين العملة الصعبة، ورغم هذه التحديات، شهدت قائمة الموردين للبنان خلال الربع الأول من عام 2026 تصدر جمهورية مصر العربية للمشهد بواقع 42 ألف برميل يومياً، تلتها اليونان بـ 31 ألف برميل، ثم المملكة العربية السعودية بـ 21 ألف برميل، بينما جاءت تركيا وإيطاليا في المراتب الأخيرة، مما يوضح تنوعاً اضطرارياً في مصادر التزويد لضمان الحد الأدنى من الاستقرار.
إن اعتماد لبنان على مصر واليونان والسعودية في تأمين المشتقات النفطية يوضح التوجه اللبناني نحو تعزيز الروابط مع الدول الصديقة والمستقرة لتجنب انقطاع الإمدادات، ومع ذلك، يظل زيت الوقود (الفيول) المخصص للكهرباء هو النقطة الأضعف في هذه المنظومة نظراً لانحصاره في المسار التركي، وتؤكد التقارير الاقتصادية أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيعمق من أزمة الأمن الغذائي والطاقي في لبنان، الذي بات يقف على حافة الجوع وفق توصيف بعض الهيئات الدولية، وتطالب القوى الاقتصادية في بيروت بضرورة إيجاد حلول سياسية ومالية سريعة لإنهاء أزمة المديونية مع الجانب العراقي، وفتح قنوات استيراد جديدة لتقليل الاعتماد على مسار واحد قد يتعرض للتوقف في أي لحظة نتيجة التوترات السياسية أو العسكرية في المنطقة.
ختاماً، يواجه قطاع الطاقة في لبنان عاماً هو الأصعب منذ عقود، حيث تجتمع فيه الأزمات المالية مع التوترات الجيوسياسية لتخلق واقعاً مريراً للمواطن اللبناني، إن الارتفاع المستمر في أسعار المحروقات والتحول القسري نحو المورد التركي يفرضان ضرورة إعادة النظر في السياسة الطاقية الشاملة للبلاد، ومع استمرار تقلبات أسعار النفط العالمية وبلوغ خام برنت مستويات مرتفعة، تبدو الخيارات المتاحة أمام الدولة اللبنانية محدودة للغاية، وتظل الآمال معلقة على هدوء الأوضاع العسكرية واستئناف محادثات السلام التي قد تفتح الممرات المائية مجدداً، مما يساهم في خفض تكاليف الشحن وتدفق الإمدادات بانتظام، حفظ الله لبنان وشعبه من ويلات الحروب والأزمات، وأدام عليه نعمة الاستقرار التي ينشدها الجميع في ظل هذه الظروف العاصفة التي غيرت ملامح المنطقة بأكملها.