بعد انقضاء نصف مدة الهدنة.. هل تنجح الوساطة الباكستانية في منع عودة الحرب؟
تواجه الهدنة المقررة لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران اختباراً عسيراً مع انقضاء نصف مدتها دون التوصل إلى صيغة نهائية تنهي الحرب الدائرة، فبالرغم من التصريحات المتفائلة بحذر حول إحراز بعض التقدم، لا تزال الفجوة واسعة بين مواقف الطرفين، حيث صرح مسؤول إيراني كبير اليوم الخميس بأن الملف النووي يظل العقبة الكأدودة التي تحول دون إتمام الاتفاق.
وتأتي هذه التصريحات في وقت حساس تتزايد فيه الضغوط الميدانية والسياسية، إذ تسعى القوى الإقليمية جاهدة لمنع انهيار وقف إطلاق النار والعودة إلى مربع المواجهة العسكرية الشاملة، وبينما تؤكد طهران أن المحادثات مستمرة، يرى مراقبون أن عامل الوقت يمثل ضغطاً كبيراً على المفاوضين، لاسيما وأن النقاط الخلافية تتعلق بصلب السيادة الوطنية والمصالح الاستراتيجية لكل من واشنطن وطهران، مما يجعل الوصول إلى "حل وسط" مهمة دبلوماسية معقدة وشديدة الحساسية.
الدور الباكستاني ومساعي تمديد وقف إطلاق النار
في خضم هذا الانسداد الدبلوماسي، برز الدور الباكستاني كعنصر توازن مهم، حيث كشف مسؤولون أن زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى العاصمة الإيرانية طهران يوم الأربعاء ساهمت بشكل فعال في تقليص بعض الخلافات الفنية والسياسية، وقد عززت هذه الخطوة الآمال في إمكانية تمديد الهدنة لفترة إضافية تسمح باستكمال المباحثات بعيداً عن أزيز الرصاص، ورغم أن المتحدث باسم الخارجية الباكستانية أكد الخميس أنه لم يتحدد بعد موعد للجولة الثانية من المحادثات المباشرة، إلا أن هناك إشارات قوية على استعداد الطرفين لاستكمال الحوار، وتلعب إسلام آباد دور الوسيط الناقل للرسائل، محاولةً نزع فتيل الأزمة النووية التي عادت لتتصدر واجهة الأحداث كشرط أساسي لرفع العقوبات الأمريكية، وهو ما يضع المنطقة أمام سيناريوهين؛ إما نجاح الوساطة في فرض تهدئة طويلة الأمد، أو العودة للتصعيد إذا فشلت الأطراف في تقديم تنازلات ملموسة.
العقوبات الأمريكية الجديدة واستهداف قطاع النفط
بالتوازي مع المسار التفاوضي، لم تتوانَ واشنطن عن استخدام سلاح الضغوط الاقتصادية، حيث أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن حزمة عقوبات موسعة استهدفت قطاع النفط الإيراني الحيوي، وشملت العقوبات الجديدة نحو 20 شخصاً وكياناً مرتبطين بشبكة معقدة يديرها محمد حسين شمخاني، الذي وصفته واشنطن بـ«قطب شحن النفط الإيراني»، وهو نجل أمين مجلس الدفاع السابق علي شمخاني الذي لقي حتفه خلال غارة في الحرب الحالية، وأكد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن هذه الإجراءات تهدف إلى تجفيف منابع تمويل ما وصفها بـ«النخب الموالية للنظام»، مشيراً إلى أن هذه الشبكات المالية تحقق مكاسب باهظة على حساب استقرار المنطقة، وتأتي هذه العقوبات كرسالة ضغط مباشرة لطهران لإجبارها على تقديم تنازلات في الملف النووي وملف الملاحة البحرية، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي ويهدد بتقويض مناخ الثقة المفقود أصلاً بين الجانبين.
الصراع على الممرات المائية والحصار البحري
تظل قضية مضيق هرمز والموانئ الإيرانية من أكثر الملفات تفجراً في الصراع الحالي، فمنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، أغلقت إيران المضيق الاستراتيجي، وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة محاولة لـ«احتجاز الاقتصاد العالمي كرهينة»، وفي المقابل، بدأت القوات الأمريكية فرض حصار بحري صارم على الموانئ الإيرانية للحد من قدرتها على تصدير النفط وتوليد الإيرادات، وأوضحت الخارجية الأمريكية أن الضغط المستمر يهدف لضمان حرية الملاحة الدولية ومنع طهران من استخدام مواردها في تمويل العمليات العسكرية، ومع استمرار هذا الإغلاق والحصار، تعاني أسواق الطاقة العالمية من اضطرابات حادة، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية كبرى للضغط على الطرفين لفتح الممرات المائية كجزء من اتفاق الهدنة الشامل، لاسيما وأن استمرار الوضع الراهن قد يؤدي إلى كارثة اقتصادية تتجاوز حدود الدولتين المتصارعتين.
آفاق الحل الدبلوماسي والمستقبل الغامض
بينما تقف الأزمة عند مفترق طرق، يظل السؤال المطروح هو مدى قدرة الدبلوماسية على الصمود أمام رغبات التصعيد، فالتصريحات الصادرة من طهران وواشنطن تشير إلى وجود "استعداد" مبدئي لمواصلة الحوار، لكن الشيطان يكمن في التفاصيل النووية التي تراها أمريكا خطراً داهماً وترى فيها إيران حقاً مشروعاً، إن استمرار الهدنة هو المطلب الشعبي والإقليمي الأبرز، ولكن الواقع الميداني المشحون بالعقوبات والحصار البحري يوحي بأن السلام لا يزال بعيد المنال، ويتطلب الوصول إلى اتفاق دائم ليس فقط وقف إطلاق النار، بل معالجة جذور الخلاف التاريخي حول البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي، وفي ظل هذه الظروف، يترقب العالم ما ستسفر عنه الأيام القليلة القادمة من عمر الهدنة، فإما أن ينتصر صوت العقل وتمدد التهدئة، أو تعود آلة الحرب للدوران لتأكل ما تبقى من فرص السلام في الشرق الأوسط.