إن من أفضل بقاع الدنيا سيناء التي ورد ذكرها مرتين صراحة في القرآن الكريم في سورة" المؤمنون" في قوله تعالى:" وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ"، وقوله تعالى في سورة " التين: "وَطُورِ سِينِينَ"... قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى:" وطور سينين" قال كعب الأحبار، وغير واحد: هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى"
إن سيناء هي الأرض المباركة، مفخرة مصر، وبوابتها الشرقية، وخط الدفاع الأول عنها... رمز الصمود والتحدي، وهي البقعة الوحيدة في هذا الكون التي تجلى رب العالمين لجبل الطور الموجود بها لما دعا موسى ربه، ورجا منه أن ينظر إليه، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، فما كان من موسى إلا أن خرّ صعقا من مهابة الموقف!
وهي الأرض التي قدّس الله واديها المبارك " طوى" إذ أمر موسى بأن يخلع نعليه لأنه "بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى "، وقد علّل الإمام القرطبي أمر الله تعالى لموسى عليه السلام بخلع النعل بأن ذلك كان "إعظاما لذلك الموضع كما أن الحرم لا يدخل بنعلين إعظاما له. قال سعيد بن جبير: "قيل له طأ الأرض حافيا كما تدخل الكعبة حافيا".
وهي الأرض المباركة إذ هي معبر أنبياء الله عز وجل إبراهيم، وإسماعيل، ويعقوب، ويوسف، وموسى عليهم السلام، ولقد دخل الإسلام مصر عن طريق سيناء حينما جاء القائد العظيم عمرو بن العاص فاتحًا لمصر عابرًا من سيناء، ومن خلالها انطلق القائد المظفر صلاح الدين الأيوبي إلى بيت المقدس محررًا إياه من دنس الصلبيين، ومستعيدًا الأقصى إلى حوزة المسلمين.
وسيناء عامرة بالآثار الدينية مثل: جبل الطور، وعيون موسى، ودير سانت كاترين؛ مما جعلها قبلة للسائحين يؤمونها من حين إلى حين؛ كي يقضوا فيها أطيب أوقاتهم؛ تلبية لنداء الطبيعة الخلابة، والجمال السيناوي الذي لا يقاوم.
من أجل ذلك كانت سيناء مطمعا للغزاة ومحط أنظار الطامحين والطامعين على مر العصور، ولا ننسى تلك المحاولة الآثمة التي حاولت أن تختلع سيناء من حضن أمها مصر بذلك العدوان الغاشم في السابع من يونيو عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين، ذلك اليوم الذي أراد فيه المحتل الآثم أن يدنس هذه الأرض الطاهرة، ويقضي على عزة أبنائها وكبريائهم متناسيا أن مصر لم ولن تخضع يوما لأحد مهما كانت غطرسته، فعلى أبوابها تكسرت أنياب المتجبرين، وديست عجرفة المتكبرين، وتحطمت آمال المعتدين الواهمين، فردهم الله منكسرين يجرون أذيال الخيبة والخزي المبين.
إن أولئك الغاصبين قد نسوا أن المصري يهدأ ويهدأ، لكنه لا يستكين، ولا يقبل بالدنية ولا تستسيغ شفتاه كأس الهزيمة، ولا تقبل نفسه عار الانكسار، حتى وإن كلفه هذا نفسه وعمره، وهذا ما أثبته المصريون أولو العزة والكرامة في السادس من أكتوبر العظيم، وما بعده من معارك دبلوماسية كُللت في النهاية باستعادة آخر شبر من أرض سيناء، وعادت مصرية إلى حضن أبناء الكنانة خالصة لهم من دون الناس، كما كانت قبل ذلك الليل المظلم.
إن هذه الأرض الطيبة المباركة ارتوت بدماء المصريين الزكية، دماء الشهداء الأبرار، التي سالت لتنبت الكرامة والعزة والحرية والأمان، ولتقول لكل طامع: العبرةَ العبرةَ، والعظة العظةَ مما باء به أسلافكم، وتذكروا ما آلت إليه آمالهم، التي لطالما تغنوا بمقدرتهم على تحقيقها وفي النهاية لم تكن إلا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا!
وبجهود قيادتها وأبنائها أصبحت سيناء منبرا عالميا للسلام؛ فلقد استضافت العديد من المؤتمرات والملتقيات الدولية التاريخية مثل: مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي عام 2022م، وقمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر المنصرم التي شهدت توقيع وثيقة وقف إطلاق النار في غزة برعاية أم الدنيا وشركائها الدوليين.
من أجل ذلك تستحق سيناء جهودا مضنية من أبنائها المخلصين، من أجل تنميتها، وحمايتها، واستثمار ثرواتها الطبيعية؛ فهي أرض الفيروز والكنوز، والثروات والمقدرات، وموطن التاريخ والمجد... فلنعم الأرض أرضها، ولنعم الأهل أهلها.. دامت سيناء عزيزة فتية ، ودامت مصرنا حرة أبية.

