القانون الموحد للمسيحيين: خطوة تاريخية نحو القضاء الناجز والوحدة التشريعية
تشهد الساحة التشريعية في مصر تحولاً جذرياً يهدف إلى ضبط إيقاع العلاقات الأسرية وترسيخ قيم العدالة، حيث وافق مجلس الوزراء برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي على مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين، ويأتي هذا التحرك تنفيذاً مباشراً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي شدد على ضرورة الإسراع في تقديم مشروعات قوانين الأسرة للمسلمين والمسيحيين، بالإضافة إلى تفعيل صندوق دعم الأسرة لضمان حماية الفئات الأكثر احتياجاً عقب الانفصال، ويمثل هذا القانون خطوة تاريخية لإنهاء عقود من تشتت النصوص القانونية التي كانت تحكم شؤون المسيحيين في مصر، مما يسهم في تحقيق تطلعات المواطنين نحو قضاء ناجز وتشريعات واضحة وموحدة.
توحيد القواعد التشريعية في قانون واحد
أوضح المستشار محمود حلمي الشريف، وزير العدل، أن التميز الأساسي في هذا المشروع يكمن في قدرته على جمع شتات القواعد والأحكام التي تنظم شؤون الأسرة المسيحية ضمن أداة تشريعية واحدة بمرتبة قانون، فبعد أن كانت هذه الأحكام مبعثرة بين ست أدوات تشريعية مختلفة لا تصل إلى قوة القانون، أصبح الآن بإمكان المواطنين والقضاة الاطلاع على كافة القواعد بيسر وسهولة، وهذا التوحيد لا يقلل المشقة في البحث القانوني فحسب بل يسرع من وتيرة الفصل في القضايا المنظورة أمام المحاكم، حيث يغطي المشروع كافة الجوانب بدءاً من الخطبة والزواج وصولاً إلى أسباب التطليق، البطلان، الحضانة، الرؤية، المواريث، والولاية التعليمية، وهو ما يضمن إلماماً شاملاً بكافة الحقوق والواجبات.
أبرز ملامح وضوابط الطلاق والمواريث
يتضمن القانون الجديد ملامح جوهرية تعالج الأزمات التاريخية، وعلى رأسها قضية "تغيير الملة" التي كانت تستخدم أحياناً للالتفاف على القوانين، حيث نص المشروع على عدم الاعتداد بتغيير الملة في حال وقوع خلاف بين الطرفين لضمان الجدية والاستقرار، وفيما يخص الانفصال، يظل "الزنا" هو السبب الرئيسي للتطليق مع توسيع مفهومه ليشمل كافة أشكال الخيانة الزوجية، مع منح القاضي سلطة تقدير الوقائع، ومن أبرز التحولات التي أقرها القانون هي إقرار المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في المواريث، وهي خطوة تعكس الرغبة في تطبيق التعاليم الدينية والمدنية بشكل عصري، كما استلهم القانون أحكام النفقة من الشريعة الإسلامية لتحقيق التوازن المالي للأسرة بعد الانفصال.
تعديلات الحضانة ونظام الرؤية الحديث
أدخل المشروع تعديلات هامة على نظام الحضانة لضمان مصلحة الطفل الفضلى، حيث تقرر انتقال الحضانة إلى الأب مباشرة بعد الأم، مع الإبقاء على سن الحضانة عند 15 عاماً دون تغيير، كما استحدث القانون نظام "الاستزارة" وأقر لأول مرة "الرؤية الإلكترونية" التي تتيح للأب المسافر أو المريض التواصل مع أبنائه عبر الوسائل التكنولوجية الحديثة، ولضمان جدية الزواج، نص القانون على بطلانه في حال ثبوت إخفاء أسباب جوهرية مثل تزوير شهادات خلو الموانع أو إخفاء أمراض نفسية وعقلية شديدة، كما سيتم تسجيل وثائق الزواج بالصيغة التنفيذية داخل المحكمة لضمان قوتها القانونية وسرعة تنفيذ أحكامها.
التنسيق البرلماني والدوائر المشتركة
أكد رئيس مجلس الوزراء أن مشروعات قوانين الأسرة للمسلمين والمسيحيين ستُحال تباعاً وبصفة أسبوعية إلى مجلس النواب لضمان مناقشتها بدقة.
ومن المتوقع وصول مشروع قانون المسلمين من وزارة العدل خلال الأسبوع المقبل، والجدير بالذكر أن هناك تنسيقاً كبيراً بين القانونين، حيث توجد نحو 60 مادة مشتركة تجمع بين تشريع المسلمين والمسيحيين، مما يعزز الوحدة الوطنية التشريعية ويحافظ على الاستقرار المجتمعي، وتهدف هذه التحركات إلى حفظ حقوق جميع الأطراف، خاصة الأطفال، وتوفير بيئة قانونية آمنة تحمي الأسرة المصرية من التفكك وتضمن سرعة استرداد الحقوق لأصحابها.