تطل علينا من جديد تلك الذكريات المقدسة في تاريخ الوطن، نستعيد فيها لحظات الفخر والعزة؛ اليوم نتحدث عن الذكرى الـ 44 لاسترداد سيناء. وكابن من أبناء هذا الوطن الذي أشرف بالانتماء إليه، أفتخر بأن سيناء لم تحظَ بقعة جغرافية بمثل ما حظيت به من ذكر وتشريف في القرآن الكريم، فهي الأرض التي شهدت تجلي الذات الإلهية، ومناجاة الأنبياء.
لقد ذكرها الله عز وجل في سياق القسم لعظم شأنها، فقال تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ}، وطور سنين هو جبل الطور في سيناء في إشارة واضحة لمكانتها. ثم ذكرها الله عز وجل مرة ثانية في إشارة جليّة إلى أنها الوادي المقدس؛ الأرض التي نودي فيها النبي موسى عليه السلام، قال تعالى: {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى}. وثالثاً عندما أشار القرآن الكريم إلى جبالها التي تنبت فيها أشجار الزيتون المباركة في قوله تعالى: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ}. هنا تتجسد مكانة سيناء كبقعة مباركة، جعلت منها مقصداً للقلوب قبل أن تكون مطمعاً للغزاة.
بلغة الجغرافيا، كانت ولا تزال سيناء بوابة مصر الشمالية الشرقية، البقعة التي تظل شاهدة على انتصارات الدولة المصرية على مر عصورها. فلا يمكننا الحديث اليوم عن ذكرى استردادها دون توجيه الشكر والتقدير والعرفان إلى شهدائنا ومصابينا الذين دفعوا دماءهم الطاهرة في سبيل تطهيرها.
لقد خاضت الدولة المصرية معركة وجود ضد "أهل الشر"، أولئك الذين حاولوا اتخاذ جبالها وسهولها وكراً للظلام، ولكن بفضل الله وتضحيات أبطال القوات المسلحة والشرطة، وبالتعاون مع أهالي سيناء الشرفاء، تحطمت أوهام الإرهاب على صخرة الصمود المصري. في تقديري، لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت معركة كرامة؛ فرمال سيناء ليست مجرد تضاريس، بل هي "سجل شرف" مكتوب بدماء الأبطال. فكل شجرة تُزرع اليوم، وكل طريق يُشق، يرتوي في الأصل من دماء الشهداء الذين رووا هذه الأرض لتنبت فخراً لا ذلاً.
لقد اختلط عرق العمال الذين يبنون المصانع والبيوت، بدم الأبطال الذين طهروا الأرض من دنس التطرف، لتصبح سيناء نموذجاً حياً لانتصار إرادة الحياة ، فبعد سنوات عانت فيها سيناء من التهميش، جاءت الرؤية الحديثة للدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي لتنقلها إلى مرحلة "التنمية الشاملة" وربطها بقلب الدولة برباط لا يقبل الفصم من خلال شرايين الحياة عبر تشييد سلسلة من الأنفاق أسفل قناة السويس (أنفاق تحيا مصر)، مما جعل الوصول لسيناء يستغرق دقائق ثم تعزيز الأمن الغذائي عبر مشروع "ترعة السلام" ومحطة "بحر البقر" لمعالجة مياه الصرف الزراعي الأكبر عالمياً، لتحويل الرمال إلى سلة غذاء خضراء ، ناهيك عن القلاع الصناعية حيث استغلال الثروات التعدينية (رخام، رمال زجاجية، إسمنت) في مجمعات صناعية بوسط سيناء بدلاً من تصديرها خاماً ختاماً الى العمران الحديث بتشييد مدن الجيل الرابع كمدينة "رفح الجديدة" ومدينة "سلام مصر"، لتوفير سكن كريم يليق بأهلنا في سيناء.
يتضح جلياً أمام العالم أجمع أن تنمية سيناء هي "خط الدفاع الأول" عن أمن مصر القومي. فبالعمران والزراعة والصناعة، تتحول هذه الأرض المباركة من فضاء واسع إلى حصن مشيد، يحمل في طياته قدسية الماضي وتكنولوجيا المستقبل، لتبقى سيناء دائماً درة التاج المصري.
إن سيناء اليوم لم تعد أرضاً للمعارك، بل أصبحت محراباً للبناء، حيث يمتزج عبير الشهادة بعنفوان التنمية، ليعلن للعالم أن مصر لا تفرط في حقها، ولا تنسى تضحيات أبنائها.
