ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

شيخوخة المناعة لدى الرجال: لماذا تزداد مخاطر السرطان والعدوى مع التقدم في العمر؟

 لماذا تزداد مخاطر
لماذا تزداد مخاطر السرطان والعدوى مع التقدم في العمر؟

كشفت دراسة علمية حديثة، نُشرت في مجلة "Nature Aging" المرموقة، عن وجود اختلافات بيولوجية جوهرية وواضحة بين الرجال والنساء في آليات عمل الجهاز المناعي، لا سيما مع التقدم في العمر، وأوضحت الدراسة التي سلط موقع "SciTechDaily" الضوء عليها، أن الجهاز المناعي البشري لا يشيخ بنفس الوتيرة أو الطريقة لدى الجنسين، بل تظهر فروق ملحوظة تؤثر بشكل مباشر على كفاءة الاستجابة للأمراض ومعدلات التعافي.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تفسر التباين الكبير في متوسط العمر المتوقع واختلاف معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة والسرطانات بين الرجال والنساء، حيث تبرز الفروق الجينية والهرمونية كمحرك أساسي لهذه التغيرات، مما يفتح الباب أمام عهد جديد من الطب الشخصي الذي يراعي الخصوصية البيولوجية لكل جنس عند تصميم البروتوكولات العلاجية أو اللقاحات الوقائية في المستقبل القريب.

وأظهرت النتائج أن النساء يتمتعن بجهاز مناعي أكثر نشاطاً وحيوية مقارنة بالرجال، وهو ما يمنحهن قدرة فائقة على مقاومة أنواع مختلفة من العدوى الفيروسية والبكتيرية، فضلاً عن استجابة مناعية أقوى تجاه اللقاحات، وقدرة أسرع على التعافي في حالات صحية معينة، ويعزو العلماء هذا التفوق إلى عوامل هرمونية، حيث يلعب هرمون "الإستروجين" دوراً محورياً في تعزيز نشاط الخلايا المناعية وتنشيط الاستجابة الدفاعية للجسم، ومع ذلك، تشير الدراسة إلى أن هذه القوة المناعية لها جانب مظلم؛ إذ أن النشاط الزائد للجهاز المناعي لدى النساء قد يتحول مع التقدم في السن إلى التهابات مزمنة، وهو ما يفسر ارتفاع خطر إصابتهن بأمراض المناعة الذاتية، مثل الذئبة الحمراء والروماتويد، حيث يبدأ الجهاز المناعي بمهاجمة أنسجة الجسم نفسه نتيجة فرط النشاط.

مناعة الرجال

في المقابل، كشفت الدراسة عن ضعف نسبي في الجهاز المناعي لدى الرجال مع التقدم في العمر، مما يجعلهم أكثر عرضة لمخاطر صحية محددة، مثل الإصابة الحادة بالعدوى، وارتفاع معدلات الإصابة ببعض أنواع السرطان، وتراجع كفاءة الاستجابة المناعية الكلية، كما رصد الباحثون تغيرات نوعية في تركيب خلايا الدم لدى الرجال ترتبط ارتباطاً وثيقاً بزيادة خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بالشيخوخة، وتُعرف هذه العملية علمياً باسم "شيخوخة الجهاز المناعي" (Immunosenescence)، وهي حالة يحدث فيها انخفاض تدريجي في كفاءة المناعة وتغير في توازن الخلايا المناعية، مما يؤدي إلى حالة من الالتهاب المزمن منخفض الدرجة التي تسرع من تلف الأنسجة وظهور أمراض الشيخوخة المبكرة لدى الرجال مقارنة بالنساء.

هذه التغيرات المناعية المرتبطة بالعمر تؤثر بشكل كبير على قدرة الجسم في التعرف على الخلايا السرطانية والقضاء عليها، وهو ما يفسر جزئياً سبب انتشار بعض الأورام لدى الرجال بنسب أعلى، ويرى الخبراء أن تراجع مستويات الهرمونات الذكرية "التستوستيرون" مع العمر قد يلعب دوراً مختلفاً تماماً عن دور الإستروجين لدى النساء، مما يؤدي إلى مسار شيخوخة مناعي أكثر هشاشة، إن فهم هذه الفروق الدقيقة يساعد الأطباء في عام 2026 على تحديد المجموعات الأكثر عرضة للمخاطر الصحية وتوفير رعاية وقائية استباقية تعتمد على الملف المناعي الفريد لكل فرد، مما يقلل من العبء المرضي المرتبط بتقدم السن.

آفاق علاجية

تكمن أهمية هذه النتائج العلمية في قدرتها على تغيير قواعد اللعبة في القطاع الصحي، حيث يرى الباحثون أن فهم هذه الفروق الجندرية هو المفتاح لتطوير علاجات مخصصة (Gender-specific medicine) تضمن أقصى استفادة لكل من الرجال والنساء، فمن خلال مراعاة النشاط المناعي المرتفع لدى النساء، يمكن تعديل جرعات اللقاحات لتحقيق أقصى فعالية بأقل آثار جانبية، وفي المقابل، يمكن تطوير استراتيجيات لتعزيز المناعة لدى الرجال المتقدمين في السن لتقليل مخاطر السرطان والعدوى، كما تساهم هذه الدراسات في تحسين جودة الحياة لكبار السن عبر تقليل مخاطر الالتهابات المزمنة التي تؤدي إلى أمراض القلب والتدهور المعرفي، مما يجعل الشيخوخة عملية أكثر صحة وأماناً.

في الختام، يظل الجهاز المناعي هو الحارس الأول للصحة، وفهم لغة هذا الحارس واختلافاتها بين الجنسين يعد انتصاراً كبيراً للعلم في عام 2026، إن التوجه نحو "الطب الدقيق" الذي يراعي الفروق البيولوجية سيؤدي حتماً إلى تحسين فعالية المنظومات الصحية العالمية وتقليل الوفيات الناتجة عن الأمراض المرتبطة بالشيخوخة، وسواء كان التفوق المناعي في صالح النساء أو كانت المخاطر مختلفة لدى الرجال، فإن الحقيقة الثابتة هي أن العلم بات يمتلك الآن الأدوات اللازمة للتعامل مع كل جسد كحالة فريدة، مما يضمن مستقبلاً صحياً أفضل للبشرية جمعاء بعيداً عن القوالب النمطية في العلاج والوقاية.

تم نسخ الرابط