الجارديان تفجر مفاجأة: إدارة ترامب تشترط "طلباً رسمياً" لتسليم وثائق إبستين غير المعدلة
كشفت تقارير صحفية بريطانية، تصدرتها صحيفة "الجارديان"، عن تطورات دراماتيكية في مسار التحقيقات الجنائية التي تجريها الشرطة البريطانية حول التورط المحتمل لشخصيات رفيعة المستوى مع الممول الأمريكي سيئ السمعة والمجرم الجنسي الراحل جيفري إبستين.
وأفادت الصحيفة بأن الولايات المتحدة الأمريكية ترفض بشكل قاطع تسليم النسخ الأصلية وغير المعدلة من وثائق إبستين إلى السلطات الأمنية في لندن إلا عبر طلب قانوني رسمي ومعقد، وهو ما يضع التحقيقات التي تستهدف الأمير أندرو (أندرو ماونتباتن-ويندسور) وبيتر ماندلسون، سفير لندن السابق في واشنطن، في مأزق قانوني حرج.
ويرى مراقبون أن هذا الإجراء البيروقراطي الطويل الذي تفرضه إدارة الرئيس الأمريكي الحالي يقلل من فرص إثبات التهم الموجهة للشخصيتين، حيث تفتقر النسخ المتاحة حالياً على موقع وزارة العدل الأمريكية إلى التفاصيل الجوهرية اللازمة لإدانة المتهمين بسوء السلوك في الوظيفة العامة.
تعقيدات قانونية وصراع على النسخ الأصلية
تجري قوات الشرطة البريطانية، التي باشرت تحقيقات جنائية شاملة نتيجة لما كُشف في ملفات إبستين، مباحثات مكثفة مع قسم الجرائم الخاصة في النيابة العامة الملكية (CPS)، وهو الجهة الوحيدة المخولة بإصدار التهم الجنائية في إنجلترا وويلز.
وتكمن المعضلة الحقيقية في أن المدعين العامين يبدون تردداً واضحاً في توجيه أي اتهامات رسمية ما لم تتوفر الوثائق الأصلية غير المنقحة التي تثبت تسريب معلومات حساسة.
ورغم الجهود الدبلوماسية والأمنية غير الرسمية التي بذلها مفوض شرطة العاصمة، السير مارك رولي، لإقناع المسؤولين الأمريكيين بتجاوز التعقيدات البيروقراطية، إلا أن تلك المحاولات باءت بالفشل أمام إصرار وزارة العدل الأمريكية على اتباع إجراءات "المساعدة القانونية المتبادلة"، وهو ما اعتبره خبراء قانونيون محاولة لعرقلة الوصول السريع للحقيقة تحت غطاء الإجراءات القانونية الصارمة.
الأمير أندرو وماندلسون.. اتهامات ثقيلة تحت مجهر "تايمز فالي"
في قلب هذه العاصفة القضائية، تحقق شرطة "تايمز فالي" مع الأمير أندرو، شقيق الملك تشارلز، بتهمة سوء السلوك في الوظيفة العامة، بناءً على مزاعم تشير إلى قيامه بتسريب مواد حساسة ومستندات سرية إلى جيفري إبستين إبان عمله كمبعوث تجاري للمملكة المتحدة.
وفي السياق ذاته، يواجه بيتر ماندلسون تحقيقات مماثلة من قبل شرطة العاصمة (سكتلاند يارد) تتعلق بفترة توليه منصباً وزارياً وسفارته في واشنطن، حيث يُتهم بتسريب معلومات أمنية وسياسية بالغة الحساسية للممول الأمريكي الراحل.
ورغم إلقاء القبض عليهما سابقاً والإفراج عنهما، مع نفيهما المستمر لارتكاب أي مخالفات، إلا أن التحقيقات لا تزال جارية بانتظار الأدلة الدامغة التي قد توفرها الملفات المحتجزة في واشنطن، والتي تُعد "حجر الزاوية" لإثبات أو نفي هذه المزاعم التي هزت أركان الدوائر الملكية والحكومية.
استجواب شهود من العيار الثقيل وقلق في النيابة العامة
بينما تنتظر لندن رد واشنطن على طلبها الرسمي، تستعد أجهزة الأمن لبدء مرحلة جديدة من المواجهات القانونية، حيث من المقرر استجواب قائمة عريضة من الشهود من الدوائر الملكية والسياسية المقربة.
ومن المتوقع أن تشمل هذه المقابلات الرسمية مسؤولين حكوميين حاليين وسابقين، وربما تمتد لتشمل رئيس الوزراء السابق جوردون براون، الذي سبق وأن أعرب عن مخاوفه الجدية بشأن أنشطة إبستين في مراسلات رسمية مع الشرطة.
وتؤكد مصادر رفيعة المستوى داخل النيابة العامة البريطانية أنه "من الصعب جداً المضي قدماً في الملاحقات القضائية باستخدام الوثائق المنقحة الحالية"، حيث يعتمد ثبوت التهم بشكل كلي على النسخ الأصلية التي توضح طبيعة المعلومات المسربة وتوقيتها، وهو ما يجعل القضية برمتها مرهونة بمدى تعاون الإدارة الأمريكية في الأسابيع القادمة.
مستقبل العدالة وتحديات التعاون الدولي
تثير هذه القضية تساؤلات عميقة حول مدى فاعلية التعاون الأمني بين الحلفاء التاريخيين في القضايا الحساسة التي تمس رموز السلطة. فبينما يرى البعض أن الإصرار الأمريكي على "الطلب الرسمي" هو إجراء سيادي لحماية الوثائق، يراه آخرون بمثابة "طوق نجاة" غير مباشر للمتهمين عبر إطالة أمد الإجراءات حتى تضعف قوة الأدلة أو يمل الرأي العام.
وفي ظل هذه الظروف، تبقى الشرطة البريطانية في سباق مع الزمن لجمع ما يمكن من شهادات حية لسد الثغرات التي خلفها غياب الوثائق الأصلية.
إن نتائج هذه التحقيقات لن تحدد فقط مصير الأمير أندرو وماندلسون، بل ستضع مصداقية النظام القضائي البريطاني على المحك، في اختبار حقيقي لقدرته على محاسبة الشخصيات النافذة مهما كانت درجة قرابتهم من العرش أو قربهم من مطبخ القرار السياسي.