نظام الطيبات تحت المجهر.. كيف تحولت المربى إلى "غذاء مثالي" والفول إلى "عدو" للمعدة؟
يستمر الجدل الواسع في الأوساط الصحية والاجتماعية حول نظام "الطيبات" الذي وضعه الطبيب الراحل ضياء العوضي، وهو النظام الذي أحدث انقساماً حاداً بين مؤيد يرى فيه علاجاً لمشاكل الجهاز الهضمي ومعارض يصفه بالفقر الغذائي، ولعل أكثر ما يثير التساؤلات في هذا النظام هو المنطق الذي يحكم تصنيف الأطعمة، حيث تبرز مفارقة غريبة تمنع تناول الفول، الذي يعد الركيزة الأساسية للبروتين النباتي في المائدة العربية، بينما تسمح بتناول المربى المليئة بالسكريات.
وتعتمد فلسفة هذا النظام على مبدأ "إراحة الجهاز الهضمي" كأولوية قصوى، مقسماً الأطعمة إلى "طيبات" يسهل امتصاصها ولا ترهق المعدة، و"خبيثات" يراها النظام ثقيلة وتسبب تخمرات والتهابات، وهو ما يضع القيمة الغذائية التقليدية في مرتبة ثانوية خلف معيار "سرعة العبور المعوي"، مما يفتح باباً واسعاً للنقاش حول مدى توازن هذا النهج وصحته على المدى الطويل.
فلسفة النظام: لماذا المربى "طيبة" والفول "خبيث"؟
يرى نظام الطيبات أن المربى، رغم محتواها العالي من السكر، تُصنف ضمن الخيارات المسموحة لأنها "وقود سريع" للجسم، فهي لا تحتوي على ألياف معقدة أو بروتينات ثقيلة تتطلب مجهوداً شاقاً من المعدة للهضم، بل تُمتص بسرعة في الأمعاء وتوفر طاقة فورية دون ترك مخلفات هضمية مزعجة، وعلى النقيض تماماً، يوضع الفول والبقوليات في قائمة "الخبيثات" نظراً لاحتوائها على ألياف معقدة وكربوهيدرات غير مهضومة قد تسبب انتفاخات واضطرابات لدى بعض الأشخاص.
وبحسب رؤية الدكتور العوضي، فإن العبرة ليست بما يحتويه الطعام من فيتامينات، بل بمقدار الراحة التي يوفرها للجهاز الهضمي، وهو منظور يقلب موازين التغذية الكلاسيكية رأساً على عقب، حيث تصبح المربى الفقيرة غذائياً "مسموحة" لأنها مريحة، ويصبح الفول الغني بالبروتين "ممنوعاً" لأنه مرهق.
الرأي العلمي الحديث: البقوليات ليست "خبيثة"
عند الانتقال من إطار نظام الطيبات إلى المختبرات العلمية والدراسات الطبية الحديثة، نجد صورة مغايرة تماماً، فالأبحاث تُجمع على أن البقوليات، وعلى رأسها الفول، تعد من "الأطعمة الخارقة" (Superfoods) لغناها بالبروتين النباتي والألياف التي تنظم سكر الدم وتقاوم مقاومة الإنسولين.
كما أنها تعزز صحة القلب وتقلل الكوليسترول الضار، أما بخصوص "الانتفاخ" الذي يتخذه نظام الطيبات ذريعة للمنع، فيفسره العلم بأنه عملية طبيعية ناتجة عن تخمر الألياف بواسطة البكتيريا النافعة في القولون، وهي عملية تنتج مركبات كيميائية تحمي من سرطان القولون وتعزز المناعة، مما يعني أن العرض الجانبي (الغازات) هو في الحقيقة دليل على نشاط حيوي مفيد وليس علامة على ضرر أو سُمّية كما يروج البعض.
مخاطر الاعتماد على السكريات البسيطة
في المقابل، يحذر خبراء التغذية من التوسع في تناول المربى والسكريات البسيطة التي يبيحها نظام الطيبات، فالعلم يربط بوضوح بين الإفراط في السكريات وزيادة خطر الإصابة بالسمنة، واضطراب مستويات السكر في الدم، وزيادة احتمالات الإصابة بالسكري من النوع الثاني، وبينما يوفر الفول شعوراً طويلاً بالشبع واستقراراً في الطاقة، تؤدي المربى إلى ارتفاع سريع ومفاجئ في الإنسولين يتبعه هبوط حاد، مما يزيد من الشعور بالجوع ويجهد البنكرياس، وتظهر المقارنة العلمية المباشرة أن الفول يتفوق في محتوى البروتين والألياف والفائدة طويلة المدى، بينما تظل المربى مصدراً للسعرات الحرارية "الفارغة" التي تفتقر لأي قيمة بنائية للجسم، مما يجعل كفة العلم تميل بوضوح نحو الأطعمة بطيئة الهضم.
هل "سهولة الهضم" معيار كافٍ للصحة؟
تكمن نقطة الضعف الجوهرية في نظام الطيبات في اتخاذ "سهولة الهضم" معياراً وحيداً للحكم على جودة الغذاء، فالدراسات الحديثة تؤكد أن الأطعمة بطيئة الهضم (مثل البقوليات والحبوب الكاملة) هي الأفضل للصحة لأنها تنظم التمثيل الغذائي وتدعم الميكروبيوم المعوي، بينما الاعتماد على الأطعمة "السهلة" جداً قد يؤدي إلى كسل في وظائف الأمعاء ونقص حاد في المعادن والفيتامينات الأساسية.
إن استبعاد الفول يتعارض مع الأنظمة الغذائية العالمية المعتمدة مثل حمية "البحر المتوسط" وحمية "DASH" التي تعتبر البقوليات حجر زاوية في الوقاية من الأمراض المزمنة، ولذلك، يظل نظام الطيبات تجربة شخصية تفتقر إلى الدليل الطبي القوي الذي يدعم مفارقاتها الصادمة، مما يستوجب على المتابعين استشارة المختصين قبل اتباع حميات قد تخل بالتوازن الغذائي للجسم.