مذبحة الذهب في سفاجا.. مقتل 8 أشخاص في صراع دموي على مغارة "المعدن الأصفر"
استيقظت مدينة سفاجا الساحلية بمحافظة البحر الأحمر أمسعلى وقع فاجعة مأساوية هزت أركان المنطقة الجبلية الوعرة، حيث تحولت أحلام الثراء السريع برمال الصحراء الشرقية إلى كابوس دامٍ خلف وراءه 8 جثث هامدة.
وتعود تفاصيل الواقعة إلى صراع مرير نشب بين مجموعة من المنقبين غير الشرعيين عن الذهب داخل إحدى المغارات النائية في عمق الجبل، حيث تفجر الخلاف حول أحقية السيطرة على موقع تنقيب يُعتقد باحتوائه على "عرق ذهب" ثمين، ولم تدم المشادات الكلامية طويلاً حتى تحولت المنطقة إلى ساحة حرب مصغرة حين استل أحد المتواجدين بندقية آلية كانت بحوزته وأطلق وابلاً من النيران بشكل عشوائي، محولاً الصمت الجبلي إلى صراخ ودماء، لينهي حياة رفاقه في لحظة غدر مدفوعة بطمع النفس البشرية التي أعماها بريق المعدن الأصفر عن حرمة الأرواح.
حصيلة ثقيلة ومطاردة بوليسية في دروب الصحراء الشرقية
أسفر الهجوم المسلح عن حصيلة ثقيلة أدمت قلوب عائلات المنقبين، حيث لقى 8 أشخاص مصرعهم في الحال نتيجة إصابات مباشرة ومميته بطلقات نارية في مناطق متفرقة من الجسد، بينما كتب القدر عمراً جديداً لشخص واحد نجا بأعجوبة رغم إصابته البالغة التي استدعت تدخلاً طبياً عاجلاً، وعقب ارتكاب الجريمة البشعة، استغل المتهم خبرته الكبيرة بالطرق الجبلية والدروب الصحراوية الوعرة مستخدماً سيارة دفع رباعي للفرار بعيداً عن مسرح الجريمة، ظناً منه أن الطبيعة الجغرافية القاسية ستكون درعاً يحميه من قبضة القانون، إلا أن الأجهزة الأمنية بمديرية أمن البحر الأحمر، بالتنسيق مع قطاع الأمن العام.
استطاعت في وقت قياسي ضرب حصار أمني محكم على كافة المخارج والمداخل الجبلية، ومن خلال نشر الأكمنة الثابتة والمتحركة واستخدام التقنيات الحديثة، تم تضييق الخناق على المتهم وضبطه وبحوزته السلاح الآلي المستخدم في المذبحة وكميات من المواد الخام التي تم التنقيب عنها.
اعترافات المتهم: ضغط العمل الشاق و"غواية الشيطان" خلف المذبحة
أمام جهات التحقيق، أدلى المتهم باعترافات تفصيلية وجداول زمنية للأحداث التي سبقت الجريمة، زاعماً أن ضغط العمل الشاق والتوتر المستمر الذي يصاحب اكتشاف الذهب جعل الأمور تخرج عن السيطرة في لحظة انفعالية.
وأشار في أقواله إلى أن الخلاف بدأ على طريقة تقسيم الغنائم وأولوية الحفر في الموقع المكتشف، مدعياً أن "الشيطان أغواه" بعد صراع مرير مع الضحايا، وهو ما دفعه لاستخدام السلاح لإنهاء النزاع لصالحه، هذه الاعترافات تكشف بوضوح عن الحالة النفسية المضطربة التي يعيشها المنقبون في تلك المناطق، حيث يسيطر الطمع والتوتر على المشهد، وتصبح القوة هي اللغة الوحيدة المفهومة في ظل غياب الرقابة القانونية في الأماكن غير الشرعية للتنقيب، مما يجعل من مثل هذه الحوادث درساً قاسياً لكل من تسول له نفسه الخروج عن القانون بحثاً عن ثروات وهمية.
الوجه المظلم لـ "حمى الذهب" وضرورة المواجهة المجتمعية والقانونية
إن ما شهدته جبال سفاجا اليوم، وقبلها حوادث مماثلة في مناطق الصعيد، يعكس الوجه المظلم والقبيح لما يعرف بـ "حمى الذهب" التي تجتاح بعض المناطق، حيث يتم استبدال العقل والمنطق بالطمع والجشع، وتُزهق الأرواح في سبيل سراب قد لا يتحقق أبداً، وتؤكد هذه الحادثة على خطورة التنقيب غير الشرعي ليس فقط من الناحية الاقتصادية وإهدار موارد الدولة، بل من الناحية الأمنية والمجتمعية التي تترك خلفها عائلات مفجوعة وأيتاماً، وتناشد الجهات الأمنية المواطنين بضرورة الالتزام بالقوانين المنظمة للتعدين والابتعاد عن الطرق غير القانونية التي تعرض حياتهم للخطر المحقق، مشددة على أن يد العدالة ستطول كل من يحاول العبث بأمن المواطنين أو الاستيلاء على ثروات الوطن بطرق غير مشروعة، لتظل رمال الصحراء شاهدة على أن الدم أغلى بكثير من كل كنوز الأرض.