رحيل أيقونة الرقص الشرقي.. وفاة سهير زكي بعد مسيرة فنية حافلة وتأثير ممتد
فقدت الساحة الفنية المصرية والعربية واحدة من أبرز رموزها، بعد إعلان وفاة الفنانة الكبيرة سهير زكي، عن عمر ناهز 81 عامًا، عقب صراع مع المرض خلال الفترة الماضية، لتغيب بذلك واحدة من أهم نجمات الرقص الشرقي اللاتي تركن بصمة لا تُنسى في تاريخ الفن.
وجاء رحيل سهير زكي بعد أزمة صحية حادة تعرضت لها مؤخرًا، استدعت نقلها إلى إحدى وحدات العناية المركزة، حيث عانت من مضاعفات صحية شملت جفافًا شديدًا أثر على حالتها العامة، إلى جانب مشكلات في الجهاز التنفسي والرئة، ما أدى إلى تدهور وضعها الصحي خلال الأيام الأخيرة.
وتُعد الراحلة واحدة من أبرز الأسماء التي ساهمت في تطوير فن الرقص الشرقي، حيث تميزت بأسلوب خاص جمع بين الإحساس الموسيقي العالي والتعبير الحركي المتزن، وهو ما منحها مكانة فريدة بين نجمات جيلها، وجعلها تحظى بتقدير واسع من الجمهور والنقاد على حد سواء.
ومن أبرز المحطات في مسيرتها الفنية، أنها كانت من أوائل من قدموا رقصات على أنغام أغاني أم كلثوم، المعروفة بلقب "كوكب الشرق"، وهي خطوة كانت مثار جدل في بدايتها، إذ لم تكن الفكرة مألوفة آنذاك، وقد أثارت انزعاج أم كلثوم في البداية، قبل أن تغير موقفها بعد مشاهدة أداء سهير زكي، حيث أبدت إعجابها الشديد بطريقة التعبير الفني التي قدمتها.
هذا التحول في موقف أم كلثوم شكل نقطة فارقة في مسيرة سهير زكي، حيث منحها دفعة معنوية كبيرة، ورسّخ مكانتها كفنانة قادرة على تقديم شكل مختلف من الرقص الشرقي، يعتمد على التفاعل مع الموسيقى الكلاسيكية الراقية.
وخلال سنوات نشاطها، استطاعت سهير زكي أن تحجز لنفسها مكانة خاصة، حتى لُقبت بـ"راقصة الرؤساء والملوك"، بعدما قدمت عروضًا في مناسبات رفيعة المستوى، من بينها حفلات زفاف أبناء الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، كما قدمت عروضًا أمام عدد من الشخصيات العالمية البارزة، من بينهم الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، إضافة إلى حضور شاه إيران محمد رضا بهلوي.
ولم يقتصر حضورها على المسارح والحفلات فقط، بل امتد إلى السينما، حيث شاركت في عدد من الأفلام التي تركت بصمة لدى الجمهور، من بينها "الحسناء والطلبة"، و"مطلوب زوجة فورًا"، و"حكاية جواز"، و"أنا وهو وهي"، و"الرعب"، و"الشيطان"، و"الرجل اللي باع الشمس"، و"الذئاب"، و"الجواز للجدعان"، وهي أعمال ساهمت في ترسيخ حضورها الفني داخل الوسط السينمائي.
كما كان لها حضور في الأعمال الاستعراضية، حيث شاركت في فوازير رمضان مثل "وحوي يا وحوي" و"فوازير ثلاثي أضواء المسرح"، ما أتاح لها الوصول إلى شرائح أوسع من الجمهور، خاصة في ظل الشعبية الكبيرة لهذه البرامج خلال تلك الفترة.
ورغم النجاحات الكبيرة التي حققتها، قررت سهير زكي اعتزال الفن في عام 1983، بعد مشاركتها في فيلم "إن ربك لبالمرصاد"، لتبتعد عن الأضواء وتختار حياة أكثر هدوءًا بعيدًا عن صخب الوسط الفني.
ويُنظر إلى قرار اعتزالها على أنه محطة مهمة في حياتها، حيث فضّلت الابتعاد في وقت كانت لا تزال تحظى فيه بشعبية كبيرة، وهو ما يعكس جانبًا من شخصيتها التي كانت تميل إلى الخصوصية والهدوء بعيدًا عن الأضواء.
ويمثل رحيل سهير زكي خسارة كبيرة للفن المصري، خاصة أنها كانت من الجيل الذي ساهم في تشكيل ملامح الرقص الشرقي الحديث، وقدمت نموذجًا فنيًا مميزًا جمع بين الأداء الراقي والتعبير العميق.
كما أن تأثيرها لم يقتصر على جيلها فقط، بل امتد إلى الأجيال اللاحقة، حيث تأثرت العديد من الراقصات بأسلوبها وطريقتها في التعامل مع الموسيقى، ما جعلها واحدة من الرموز التي ساهمت في تطوير هذا الفن.
وبرحيلها، تُطوى صفحة مهمة من تاريخ الفن المصري، لكنها تظل حاضرة بأعمالها وبصمتها التي تركتها، لتبقى واحدة من الأسماء التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن تاريخ الرقص الشرقي في مصر والعالم العربي.
ويبقى إرث سهير زكي شاهدًا على مسيرة فنية حافلة، استطاعت خلالها أن تكتب اسمها بحروف بارزة في ذاكرة الفن، وأن تظل رمزًا من رموز الإبداع والتميز في واحد من أقدم وأهم الفنون الشعبية في المنطقة.