ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

سهير زكي.. سيدة الإحساس التي أعادت تعريف الرقص الشرقي في مصر

خلف الحدث

لم تكن الفنانة الراحلة سهير زكي مجرد راقصة شرقية تقليدية، بل كانت حالة فنية خاصة، صنعت لنفسها مدرسة قائمة على الإحساس بالموسيقى قبل الحركة، وعلى التعبير قبل الاستعراض، لتصبح واحدة من أبرز الأسماء التي أعادت تشكيل ملامح هذا الفن في مصر والعالم العربي.

ولدت سهير زكي في بيئة شعبية مصرية، وبدأت خطواتها الأولى في عالم الفن من خلال العمل في الملاهي الليلية، حيث كانت تلك المرحلة بمثابة نقطة الانطلاق التي كشفت عن موهبتها وقدرتها على التميز وسط عدد كبير من الراقصات في تلك الفترة. لم تعتمد على الحركات الصاخبة أو الاستعراض المبالغ فيه، بل اختارت طريقًا مختلفًا يقوم على التفاعل الحقيقي مع الموسيقى، وهو ما جعلها سريعًا تفرض نفسها كاسم مختلف.

مع مرور الوقت، بدأت شهرة سهير زكي في التوسع، خصوصًا بعد أن قدمت تجربة فنية غير تقليدية، تمثلت في الرقص على أنغام أغاني أم كلثوم، وهو ما لم يكن مألوفًا في ذلك الوقت. كانت هذه الخطوة جريئة، حيث ارتبطت أغاني كوكب الشرق بالطرب الكلاسيكي، ولم يكن من المعتاد تقديمها في إطار راقص.

في البداية، قوبلت هذه التجربة بتحفظ، بل وأثارت استياء أم كلثوم نفسها، إلا أن الموقف تغيّر تمامًا بعد أن شاهدت أداء سهير زكي، حيث أبدت إعجابها الشديد بطريقة التعبير والإحساس التي قدمتها، وهو ما منح سهير زكي دفعة قوية ورسّخ مكانتها كفنانة تمتلك رؤية خاصة.

تميزت سهير زكي بأسلوب فني فريد، لم يكن يعتمد على الإبهار البصري فقط، بل على القدرة على ترجمة الموسيقى إلى حركة معبرة، وهو ما جعلها قريبة من الجمهور، وقادرة على الوصول إلى مشاعرهم بطريقة مباشرة. لم تكن حركاتها صاخبة أو مبالغًا فيها، بل كانت تعتمد على البساطة المدروسة، التي تحمل في طياتها عمقًا فنيًا واضحًا.

هذا الأسلوب المختلف جعلها تحظى بلقب "راقصة الرؤساء والملوك"، حيث قدمت عروضًا في مناسبات رسمية كبرى، من بينها حفلات زفاف أبناء الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، كما قدمت عروضًا أمام عدد من القادة والشخصيات الدولية، مثل الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، إلى جانب حضور شاه إيران محمد رضا بهلوي.

لم يقتصر حضورها على المسارح فقط، بل امتد إلى السينما، حيث شاركت في عدد من الأفلام التي رسخت اسمها لدى الجمهور، مثل "الحسناء والطلبة"، و"مطلوب زوجة فورًا"، و"حكاية جواز"، و"أنا وهو وهي"، و"الرعب"، و"الشيطان"، و"الرجل اللي باع الشمس"، و"الذئاب"، و"الجواز للجدعان". ورغم أن أدوارها السينمائية لم تكن دائمًا بطولية، فإن حضورها كان كافيًا لترك بصمة واضحة.

كما شاركت في عدد من الأعمال الاستعراضية، أبرزها فوازير رمضان مثل "وحوي يا وحوي" و"فوازير ثلاثي أضواء المسرح"، وهي أعمال ساهمت في توسيع قاعدة جمهورها، خاصة في ظل الشعبية الكبيرة التي كانت تحظى بها هذه البرامج.

ورغم النجومية الكبيرة التي حققتها، قررت سهير زكي الاعتزال في عام 1983، بعد مشاركتها في فيلم "إن ربك لبالمرصاد"، لتختار الابتعاد عن الأضواء في وقت كانت لا تزال فيه في قمة نجاحها. هذا القرار لم يكن سهلًا، لكنه عكس جانبًا مهمًا من شخصيتها، حيث فضّلت الحفاظ على صورتها الفنية بدلًا من الاستمرار في ظل تغيرات قد لا تناسبها.

ويُنظر إلى هذا القرار اليوم على أنه أحد أسباب بقاء اسمها حاضرًا بقوة في ذاكرة الفن، حيث لم ترتبط صورتها بتراجع أو تكرار، بل ظلت مرتبطة بفترة ذهبية من التألق.

ما يميز تجربة سهير زكي ليس فقط نجاحها الفني، بل تأثيرها الممتد، حيث أصبحت مصدر إلهام لعدد كبير من الراقصات اللاتي جئن بعدها، سواء في مصر أو في العالم العربي، إذ تأثرن بأسلوبها القائم على الإحساس بالموسيقى والتعبير الصادق.

وبرحيلها، لم تفقد الساحة الفنية مجرد فنانة، بل فقدت مدرسة كاملة في الرقص الشرقي، مدرسة تقوم على البساطة والعمق، وعلى تحويل الحركة إلى لغة قادرة على التعبير عن المشاعر.

وتبقى سهير زكي واحدة من الأسماء التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن تاريخ الرقص الشرقي، ليس فقط لما قدمته من أعمال، بل لما تركته من أثر، جعلها واحدة من أبرز أيقونات هذا الفن، وواحدة من الفنانات اللاتي استطعن أن يحفرن أسماءهن في ذاكرة الجمهور لعقود طويلة.

تم نسخ الرابط