ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

خرجت علينا إحدى المضيفات بقطار النوم وهي توزع ابتساماتها الرقيقة بين الركاب، بينما  تحاول جاهدة إقناع سائحة إنجليزية بأنه ليس هناك ثمة مشروبات كحولية، وكان برفقتي وقتئذ  نجلي حاتم متجهين لزيارة أهلي بأسوان، ولإحياء الذكرى السنوية لوالدي -رحمه الله-، وبينما نحن كذلك جالت بخاطري أغلى ذكرياتي مع أبي -غفر الله له-  فقصصتها لنجلي، ومن المفارقات أن احداها كانت في القطار ولكن ليس في مثل هذا القطار ولا زمن هذا القطار.
كان الليل طويلاً وظللت مستيقظاً أتوق شوقاً لسماع آذان الفجر موعد السفر صحبة والدي  لزيارة عماتي بالقاهرة، وقد حملنا لهن فرحين زيارة أهل الريف: العيش الشمسي، و فصوص القراقيش، والسوداني، وأطيافاً من الطيور الداجنة. لم نلبث غير ساعة حتى جاءنا الكمساري بزيه المتواضع يتصبب عرقاً، وقد أنهكه الجهد من المسير فضلاً عن الجدل مع الركاب وسط صياح الديكة وبقيق الدجاج القابعة في أقفاصها، وشرع في قطع تذكرتين معرباً لأبي أنني أستحق تذكرة كاملة، فاحتفظت بها وكأنها دليلاً بأني أصبحت في مصاف الكبار، وبينما أنا مسرور بمنظر النيل من شرفة القطار المتهدمة لمحت أبي شارداً، وقبل أن أتكلم بادرني مبدداً دهشتي وقال متنهداً: " تذكرت جدك -رحمه الله- وقد كنا راكبين نفس هذا القطار وأنا في مثل عمرك أو أقل  لزيارة أقاربنا بالقاهرة، ومن شدة الزحام وقسوة الحرارة في ذلك الوقت  لم نصافح وجه كمساري القطار حتى وصلنا محطة باب الحديد، وبعد أن انتهينا من الزيارة وتداعياتها التي لم تغب عن مخيلتي وخاصة صلاة الفجر مع جدك بمسجد الحسين -الذي يفصل بينه بين وبين بيت عماتي مرمى حجر- ركبنا القطار للعودة، و فوجئت بجدك يطلب من الكمساري أربع تذاكر، فقلت له : "يا أبويا أنا وانت بس بتحجز لمين التذكرتين التانيين." نظر إلي ملياً وقال: "إنت نسيت يا ولدي واحنا جايين مقطعناش تذاكر." وقفت مشدوهاً حتى أدركت مغزاه لاحقاً. فكانت هذه أهم العظات في حياتي، أن تتحرى الحلال والحرام في كل أمر علا شأنه أو صغر.
أما الحدث الآخر فقد كان في ذلك اليوم الذي وقع بيني وبين أمك خلاف شديد، وأغلظت لها القول، وكاد الأمر يصل بنا للانفصال، وتسرب الخبر لجدك فجاء وغضبه يسبقه، وصاح بصوته الجهوري وسط الدار: " فين خلف؟ "، فأيقنت أنني واقع في يده لا محالة، لم يكن هذا ما يشغلني ولكن الذي كان يشغلني كيف لا أرهق جدك وهو يضربني فقد كان شيخاً جاوز الثمانين من عمره، فهداني تفكيري أن جلست القرفصاء ولم أحرك ساكناً ليضربني كيفما شاء حتى انتهى، بعدها هرولت جدتك وأمك نحوي ولم يدخرا جهداً في استرضائي حتى أن أمك قبلت رأسي، ثم أطرقت قليلاً وقالت باستغراب: " لماذا جلست على الأرض هكذا ؟!" قلت لها: "خشيت على أبي أن يفقد توازنه فيسقط وهو يضربني فأردت أن أجلس كي يتملكني إيثاراً لسلامته". سمع جدك هذا الحوار نقلاً عن جدتك، فجاءني وضمني في صدره، و كانت خفقات قلبه على سمعي مثل أزيز المرجل وقال عبارة واحدة: "زوجتك أمانة  عندي  يا ولدي."، فأكببت على يديه أقبلهما وأنا أقول: " سلمت يداك يا أبي."، وأجهشنا بالبكاء حتى ظننت ان الأرض ابتلت من تحتنا.
رحم الله أبي وأمي وجدي ذهبوا وذكراهم باقية.

تم نسخ الرابط