في الثاني عشر من مايو.. الأزهر الشريف يستعيد سيرة إمامه الأكبر الراحل عبد الحليم محمود
يوافق اليوم الثاني عشر من مايو ذكرى ميلاد واحد من أبرز رموز الفكر الإسلامي في العصر الحديث، وهو الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر الأسبق الذي لُقب بـ "غزالي العصر" و "إمام الزاهدين" نظراً لجمعه الفريد بين عمق الفلسفة وصفاء التصوف.
وُلِدَ الإمام الراحل في قرية السلام التابعة لمركز بلبيس بمحافظة الشرقية في عام 1910 ميلادياً، لينشأ في أحضان أسرة مباركة جُبلت على حب القرآن الكريم وعمارة الأوقات بالذكر والعلم، مما أهله ليكون أحد أعمدة المؤسسة الدينية الأبرز في العالم الإسلامي.
بدأت رحلته العلمية بحفظ القرآن الكريم قبل أن يلتحق بالأزهر الشريف، حيث تدرج في مراحل التعليم الأزهري حتى حصل على الشهادة العالمية في عام 1932، وهي المرحلة التي شكلت وعيه الأصولي واللغوي قبل أن ينطلق في رحلة فكرية عالمية غير مسبوقة.
من السوربون إلى قيادة الفكر الإسلامي
لم يتوقف طموح الشيخ عند حدود العلم التقليدي، بل سافر إلى فرنسا على نفقته الخاصة في مغامرة علمية كبرى لاستكمال دراساته العليا، حتى حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية من جامعة السوربون العريقة في عام 1940، ليصبح جسراً معرفياً بين الشرق والغرب.
أثرى الإمام عبد الحليم محمود المكتبة الإسلامية بعشرات المؤلفات القيمة التي ناقشت قضايا التفكير الفلسفي ومنهج الإصلاح الإسلامي، كما قدم رؤية وسطية شاملة حول موقف الدين من الفن والعلم، مما جعل كتبه مرجعاً أساسياً لكل باحث عن الحقيقة في زمن الاضطرابات الفكرية.
برزت عبقرية الإمام أيضاً في مجال التحقيق، حيث أحيا كنوز التراث الإسلامي بتحقيق كتب "المنقذ من الضلال" للإمام الغزالي و"لطائف المنن" لابن عطاء الله السكندري، مؤكداً على أهمية المزاوجة بين العقل والنقل في بناء الشخصية المسلمة المعاصرة.
الإخاء الصوفي والعلاقة مع العشيرة المحمدية
تميزت حياة الإمام عبد الحليم محمود بعلاقات روحية عميقة مع أقطاب التصوف في عصره، وعلى رأسهم سيدنا الشيخ محمد زكي إبراهيم رائد العشيرة المحمدية، حيث وصف الأخير هذا الإخاء بأنه نوع فريد يتجاوز اللقاء الجسماني إلى تناجي القلوب الروحاني في حضرة الله.
شارك الإمام الأكبر بفعالية في المؤتمر الأول لتطبيق الشريعة الإسلامية الذي نظمته العشيرة المحمدية في السبعينيات، في مشهد مهيب ضم فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي والشيخ حسنين مخلوف، مما عكس وحدة الصف الأزهري في المطالبة بالهوية الإسلامية وتطبيق قيم الدين.
كانت لقاءات الإمام مع رفاق دربه من العلماء تتسم بالاقتضاب في النطق والغزارة في المعنى، حيث كانت قلوبهم تتواصى في لهفة على أحوال الأمة، وهو ما أكد عليه الشيخ زكي إبراهيم حين قال إن لقاءهما كان يشتفي به القلب وكأنهما لم يفترقا جسداً قط.
الدور الوطني والتعبئة الروحية لنصر أكتوبر
لم يكن الإمام عبد الحليم محمود منغلقاً على كتبه، بل كان حاضراً في قلب قضايا وطنه، حيث لعب دوراً محورياً بالتعاون مع علماء الأزهر في التعبئة الروحية للجنود المصريين قبيل حرب أكتوبر عام 1973، ملهماً إياهم بروح الاستشهاد والدفاع عن الأرض.
يُسجل التاريخ للإمام رؤياه الشهيرة وبشاراته بالنصر التي نقلها للقيادة السياسية في ذلك الوقت، مما عزز من الروح المعنوية للقوات المسلحة، وأثبت أن رجل الدين هو جندي في خندق الدفاع عن الوطن، يجمع بين سلاح الإيمان ودعم القرار العسكري الحكيم.
استطاع الشيخ عبد الحليم محمود من خلال موقعه كشيخ للأزهر أن يعيد للمؤسسة هيبتها واستقلالها، مدافعاً عن حقوق العلماء ومؤكداً على عالمية رسالة الأزهر الشريف، مما جعله شخصية محل احترام وتقدير من الرؤساء والملوك وعامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
ختم الإمام الأكبر حياته الحافلة بالعطاء برحلة إيمانية إلى الأراضي المقدسة لأداء مناسك العمرة، وكأن روحه كانت تتأهب للرحيل وهي في أطهر بقاع الأرض، ليعود إلى مصر ويفيض بروحه إلى بارئها صبيحة يوم الثلاثاء السابع عشر من أكتوبر لعام 1978 ميلادياً.
ترك الإمام وراءه إرثاً لا ينضب من العلم والزهد، ومدرسة فكرية تجمع بين منقول الشرع ومعقول الفلسفة، مما يجعله نموذجاً يُحتذى به لعلماء الأمة في كيفية التعامل مع مستجدات العصر دون التفريط في الثوابت الأصيلة التي قام عليها الدين الإسلامي.
رحل الشيخ عبد الحليم محمود جسداً، لكنه ظل حياً بمنهجه الإصلاحي وكتبه التي ما زالت تنير دروب السائرين إلى الله، ونحن في ذكراه لا نملك إلا الدعاء له بأن يجزيه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن ينفعنا بعلومه وبسيرته العطرة في الدارين.
- الشيخ عبد الحليم محمود
- ذكرى ميلاد عبد الحليم محمود
- شيخ الأزهر الأسبق
- الفلسفة الإسلامية
- التصوف عند عبد الحليم محمود
- دكتوراه السوربون
- حرب أكتوبر 1973
- العشيرة المحمدية
- محمد زكي إبراهيم
- المنقذ من الضلال
- مؤلفات عبد الحليم محمود
- علماء الأزهر
- السيرة الذاتية للإمام عبد الحليم محمود
- محافظة الشرقية
- مركز بلبيس
- الفكر الإسلامي المعاصر
- تطبيق الشريعة الإسلامية
- الشيخ الشعراوي
- البيت المحمدي
- أعلام التصوف في مصر