ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

فى أواخر ثمانينات القرن الماضى، وبين أروقة العمل الأمنى بمكتب مباحث أمن الدولة بالمعمورة الشاطئ بالإسكندرية، شهدت واحدة من أخطر الوقائع التى كشفت كيف يمكن للبعض أن يحاول الالتفاف على القانون واستغلال المشاعر الدينية لتحقيق مصالح خاصة، فى مشهد كاد أن يشعل فتنة لا تُحمد عقباها.

بدأت الواقعة عندما أصدرت محكمة الإسكندرية حكماً بتمكين أحد المواطنين من استلام شقته المغتصبة، والكائنة بالدور الأرضى بأحد الشوارع المتفرعة من شارع ٤٥ بمنطقة العصافرة قبلى. 

حيلة كادت تشعل أزمة طائفية.. كيف واجهت الدولة أخطر مخطط بالعصافرة؟

توجه المحضر لتنفيذ الحكم، إلا أنه لم يجد صاحب العقار، فأثبت ذلك وحدد موعداً آخر للتنفيذ فى اليوم التالى.

لكن المفاجأة كانت صادمة.

فعندما عاد المحضر لتنفيذ القرار، اكتشف أن الشقة محل النزاع قد “اختفت” خلال أربع وعشرين ساعة فقط، بعدما قام صاحب العقار بتحويلها إلى زاوية للصلاة، ووضع على جدارها لافتة تحمل اسم الدعوة السلفية، تعلن افتتاح الزاوية وإقامة أول صلاة جمعة بها فى الأسبوع التالى. ولم يكن الأمر عفوياً، إذ تبين أن أبناء صاحب العقار سارعوا بالتواصل مع بعض رموز التيار السلفى بمنطقة العصافرة وشارع سيدى العراقى لتسليمهم المكان وممارسة النشاط الدعوى بداخله.

أثبت المحضر الواقعة، وأعاد الأوراق إلى المستشار رئيس المحكمة، الذى سطر واحدة من أعظم العبارات التى لا تزال عالقة فى الذاكرة، حين كتب:

“بيوت الله بُنيت على الصدق والتقوى، ولم تُبنَ على الغش والتدليس، لذا نأمر بتنفيذ قرارنا السابق ونفاد .

كانت كلمات تحمل هيبة القضاء وعدالته، وتؤكد أن قدسية دور العبادة لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة للتحايل على القانون أو اغتصاب حقوق المواطنين.

انتقل الملف إلى مباحث أمن الدولة، وتم إجراء تحريات عاجلة حول الواقعة.

 وكشفت المعلومات خطورة الموقف واحتمالات تصاعده، خاصة أن صاحب الحق كان مواطناً مسيحياً، وأن المنطقة تضم عدداً كبيراً من العناصر المتشددة فكرياً من اتجاهات مختلفة، فضلاً عن محاولة الزج بالتيار السلفى فى الأزمة لإضفاء بعد دينى على نزاع قانونى بحت.

تم رفع تقرير للسيد رئيس الجهاز بالقاهرة ، مشفوع بطلب اعتقال أبناء صاحب العقار )عناصر سلفية) المتزعمين لهذا التحرك، إضافة إلى بعض مسئولى النشاط السلفى المتورطين فى الواقعة، منعاً لتفاقم الموقف أو استغلاله فى إثارة الفتنة.

بالتنسيق مع مأمور قسم شرطة المنتزة آنذاك، العميد حمدى هدية، تم عقد اجتماع موسع ضم أعضاء مجلس الشعب والشورى والمجلس المحلى عن دائرة المنتزة، بهدف توضيح حقيقة الواقعة لأهالى المنطقة، ومنع أى محاولات لاستثارة المشاعر الدينية أو خلق تعاطف مع من تعمدوا التحايل على أحكام القضاء.

وعندما حان موعد التنفيذ، حاول صاحب العقار تقديم حل بديل، فعرض توفير شقة أخرى للمجنى عليه بنفس الشارع، مقابل الإبقاء على الزاوية وعدم هدمها. وقد لاقى الاقتراح قبولاً من بعض الحاضرين، باعتباره مخرجاً هادئاً للأزمة ، ولكني رفضت هذا المقترح .

لقد كان لديا إدراك كامل أن الأمر تجاوز مجرد شقة أو نزاع عقارى، وأصبح اختباراً حقيقياً لهيبة الدولة وسيادة القانون.

لذلك تم رفض المقترح، ورفع تقرير جديد يؤكد ضرورة إزالة الزاوية وإعادة الشقة لصاحبها كما كانت، صالحة للسكن، مع التأكيد على بقاء الوضع كما هو لمدة لا تقل عن ستة أشهر، حتى يدرك الجميع أن القانون لا يخضع للابتزاز الدينى، وأنه لا أحد فوق سلطة الدولة.

وعند عرض الأمر على وزير الداخلية آنذاك، اللواء زكى بدر، كتب بدوره عبارة لا تقل قوة وحسماً:

“لقد تم بجهودكم إعادة حق المواطن، والآن جاء الدور لحق الدولة، لذا نأمر باعتقال صاحب العقار لمدة تُجدد، مع استمرار اعتقال أولاده، حتى يكون رادعاً لكل من يحاول التحايل على القانون.”

كانت رسالة واضحة بأن الدولة حين تطبق القانون بعدالة وحسم، فإنها لا تحمى فرداً بعينه فقط، بل تحمى المجتمع كله من الفوضى، وتحافظ على قدسية الدين من الاستغلال، وتصون هيبة القضاء من العبث.

رحم الله المستشار الذى انتصر للحق بكلماته، ورحم القائد والمعلم اللواء زكى بدر، الذى أدرك أن هيبة الدولة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بحماية القانون وإنفاذه .

تم نسخ الرابط