برعاية تركية.. مصر تطلق مرحلة جديدة في توطين الصناعات الطبية المتقدمة
في خطوة استراتيجية تعكس توجه الدولة نحو تعميق التصنيع المحلي في القطاعات الطبية المتقدمة، شهدت مصر توقيع بروتوكول تعاون بين الهيئة القومية للإنتاج الحربي وشركة “باروكس” التركية، بهدف نقل وتوطين تكنولوجيا تصنيع أجهزة العلاج بالأكسجين عالي الضغط، المعروفة عالميًا باسم “Hyperbaric Oxygen Therapy” أو أجهزة “الهايبر باريك”.
ويمثل الاتفاق الجديد نقلة نوعية في مجال الصناعات الطبية داخل مصر، حيث لا يقتصر على عمليات توريد أو تجميع الأجهزة، وإنما يستهدف إنشاء قاعدة تصنيع متكاملة داخل مصانع الإنتاج الحربي، عبر نقل الخبرات الفنية والهندسية التركية وتوظيف الإمكانات الصناعية المصرية القائمة بالفعل.
تصنيع طبي متقدم يدخل مصر لأول مرة
تُعد أجهزة “الهايبر باريك” من أكثر التقنيات الطبية تعقيدًا، حيث تعتمد على إنشاء بيئة ضغط مرتفع داخل غرف علاجية مغلقة، تسمح للمريض باستنشاق أكسجين نقي بنسبة 100%، ما يؤدي إلى رفع نسبة الأكسجين في الدم والأنسجة بشكل كبير مقارنة بالتنفس الطبيعي.
وتُستخدم هذه التقنية في علاج مجموعة واسعة من الحالات الطبية، من بينها التسمم بأول أكسيد الكربون، والجروح المزمنة، وقرح القدم السكري، والتهابات العظام والأنسجة الرخوة، والحروق، وبعض مضاعفات العلاج الإشعاعي، إضافة إلى إصابات الغوص ونقص الأكسجين الحاد، إلى جانب استخدامات تأهيلية في بعض الحالات العصبية واضطرابات النمو، وفق بروتوكولات علاجية محددة.
وتنقسم هذه الأجهزة إلى نوعين رئيسيين: غرف فردية مخصصة لمريض واحد، وغرف متعددة المستخدمين تُستخدم داخل المستشفيات والمراكز الطبية الكبرى.
تعقيد هندسي عالي ومعايير أمان صارمة
تنبع أهمية الاتفاق من كون أجهزة الهايبر باريك تُصنف هندسيًا ضمن فئة “أوعية الضغط العالي الحساسية”، وهي من أكثر المعدات الطبية دقة وتعقيدًا من حيث التصميم والتشغيل.
وتحتاج هذه الأنظمة إلى معايير أمان صارمة للغاية، تشمل التحكم الدقيق في الضغط والأكسجين، وأنظمة مراقبة إلكترونية مستمرة، إضافة إلى إجراءات أمان متقدمة لمنع أي مخاطر محتملة مثل الاشتعال أو تغير الضغط المفاجئ.
ونظرًا لهذه التعقيدات، يظل عدد الشركات العالمية المتخصصة في تصنيع هذه الأجهزة محدودًا، كما تصل أسعارها إلى مئات الآلاف من الدولارات حسب الحجم والتجهيزات.
“باروكس” التركية وخبرة عالمية في أنظمة الضغط الطبي
تُعد شركة “باروكس Baroks” التركية واحدة من الشركات المتخصصة عالميًا في تصميم وتصنيع غرف العلاج بالأكسجين عالي الضغط، إضافة إلى أنظمة الضغط الخاصة بالغوص والتطبيقات الصناعية.
وتعمل الشركة تحت علامتها التجارية “baroxhbo”، وتمتلك خبرة واسعة في إنتاج غرف الهايبر باريك الفردية والمتعددة، وأنظمة الضغط الطبي وأوعية الضغط الثقيلة، وقد نفذت مشروعات في عشرات الدول حول العالم.
كما تعتمد الشركة على نظام عمل متكامل “Turn-Key”، يشمل التصميم والتصنيع والتركيب والتشغيل والتدريب والصيانة، وهو ما يعزز من قيمة الشراكة مع الجانب المصري في هذا المشروع الصناعي المتقدم.
تصنيع متكامل داخل مصانع الإنتاج الحربي
وفقًا للبيان الرسمي، يستهدف البروتوكول نقل التكنولوجيا والخبرات الفنية من الشركة التركية إلى مصانع الإنتاج الحربي، بما يسمح بإطلاق تصنيع محلي كامل لأجهزة الهايبر باريك داخل مصر.
ويشمل ذلك تصنيع الغرف المعدنية المضغوطة، وأنظمة التحكم الإلكترونية، واختبارات الضغط والسلامة، إضافة إلى عمليات التشغيل والصيانة، مع تدريب الكوادر الهندسية والفنية المصرية على أحدث تقنيات هذه الصناعة الدقيقة.
كما يتوقع أن يشهد المشروع زيادة تدريجية في نسب المكون المحلي داخل الأجهزة، بما يعزز من استقلالية التصنيع ويخفض الاعتماد على المكونات المستوردة.
مصر تستهدف أسواق أفريقيا والشرق الأوسط
لا يقتصر المشروع على تلبية احتياجات السوق المحلي فقط، بل يمتد ليشمل التوجه نحو التصدير إلى الأسواق الأفريقية والشرق أوسطية، في ظل تنامي الطلب على الأجهزة الطبية المتقدمة داخل القارة الأفريقية.
وتراهن مصر على موقعها الجغرافي، وقدراتها الصناعية، وخبرة الشريك التركي، لإنشاء مركز إقليمي لتصنيع وصيانة أجهزة الهايبر باريك، بما يعزز من مكانتها كمحور صناعي طبي في المنطقة.
الإنتاج الحربي يتوسع في الصناعات المدنية
يأتي هذا الاتفاق في إطار توجه وزارة الإنتاج الحربي نحو التوسع في الصناعات المدنية عالية التقنية، وعدم الاقتصار على الصناعات العسكرية، حيث اتجهت الوزارة خلال السنوات الأخيرة إلى تصنيع الأجهزة الطبية، ومحطات المياه، والمعدات الهندسية، ومكونات الطاقة.
ويعكس هذا التحول استراتيجية الدولة نحو تعميق التصنيع المحلي، وزيادة الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة، وتقليل الفجوة الاستيرادية في القطاعات الحيوية.
تقليل الاستيراد وتعزيز الاقتصاد الوطني
تسعى الحكومة المصرية من خلال هذا النوع من المشروعات إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد في الأجهزة الطبية المتخصصة، خاصة تلك التي تتطلب إنفاقًا كبيرًا بالعملة الأجنبية.
ومن المتوقع أن يسهم تصنيع أجهزة الهايبر باريك محليًا في خفض تكلفة توفيرها للمستشفيات، وتقليل الضغط على الدولار، إلى جانب توفير خدمات الصيانة وقطع الغيار داخل مصر، وفتح آفاق جديدة للتصدير.
خطوة نحو صناعة طبية أكثر تقدمًا
يمثل المشروع المصري التركي خطوة مهمة نحو دخول مصر إلى مجالات أكثر تعقيدًا في الصناعات الطبية، حيث تجمع أجهزة الهايبر باريك بين الهندسة الثقيلة والتكنولوجيا الطبية الدقيقة والأنظمة الإلكترونية المتقدمة.
وفي حال نجاح تنفيذ المشروع وفق خطته المستهدفة، فإنه قد يمهد الطريق أمام مصر لتصبح مركزًا إقليميًا في تصنيع المعدات الطبية عالية التقنية، سواء لتلبية احتياجات السوق المحلي أو للتوسع في الأسواق الخارجية مستقبلًا، بما يعزز من مكانة الصناعة المصرية على المستوى الإقليمي والدولي.

