الذكاء الاصطناعي لم يعد يساعدنا فقط في البحث القانوني أو صياغة المراسلات. دخل الآن رسميًا إلى التحكيم التجاري الدولي، وهو ما كان يُناقَش أكاديميًا منذ سنوات دون أن يتحول إلى واقع فعلي، حتى الآن.
الجمعية الأمريكية للتحكيم (AAA) وذراعها الدولي (ICDR) أعلنتا عن نظامين: AI Arbitrator وResolution Simulator. وأنا أتابع ملف الـ LegalTech عن كثب، لكن هذا الإعلان تحديدًا استوقفني — لأن الانتقال من ورقة بحثية إلى تطبيق داخل مؤسسة تحكيم بهذا الحجم ليس تفصيلًا.
ما الذي يفعله النظام فعلًا؟
لا يعمل كمحكم مستقل يصدر حكمًا بمفرده. الصورة الأدق هي “تحكيم هجين”: الذكاء الاصطناعي يحلل المستندات والأدلة، يلخص المرافعات، يحدد المطالبات والدفوع، يبني تسلسلًا زمنيًا للوقائع، ويُعد مسودة أولية للحكم. ثم يأتي المحكم البشري ليراجع ويعتمد.
اختيار نطاق البداية كان ذكيًا أيضًا: منازعات إنشاءات ذات طابع مستندي، من دون جلسات استماع معقدة أو تقييم لشهادات الشهود. وهذا ليس تواضعًا، بل هو اعتراف واضح بأن الذكاء الاصطناعي حتى الآن لا يستطيع تقدير المصداقية، ولا قراءة السياق الإنساني، ولا تحمّل مسؤولية ضمانات المحاكمة العادلة.
لكن الأكثر إثارة هو Resolution Simulator
هذه الأداة لا تُصدر حكمًا تُحاكي.
ترفع مستندات نزاعك عليها قبل أن تبدأ إجراءات التحكيم أصلًا، فتحصل على تقييم أولي، نقاط القوة والضعف في موقفك، وتقدير باحتمالات النجاح أو الخسارة.
هذا ما يُسمى Predictive Justice أو العدالة التنبؤية. وبصراحة، هو أكثر ما يُربكني من الناحية القانونية — لأنه يدخل مباشرةً في صميم كيفية التفاوض، وتقييم المخاطر، وحتى طريقة تسعير النزاعات داخل مكاتب المحاماة والشركات.
إذا أصبحت هذه الأداة دقيقة بما يكفي، فمن سيختار التحكيم الكامل وهو يعرف سلفًا أن موقفه ضعيف؟ ومن سيُفوّت التسوية وهو يعرف أن احتمالات الفوز مرتفعة؟
والتساؤلات القانونية لم تُحسم بعد
أول سؤال يطرح نفسه: هل يمكن قانونًا اعتبار خوارزمية “محكمًا”؟ التحكيم قائم تاريخيًا على شخص بعينه — خبرته، استقلاله، وإرادته في إصدار القرار. الخوارزمية لا تملك أيًا من هذه الصفات بالمعنى القانوني التقليدي.
وإذا شارك الذكاء الاصطناعي في صياغة الحكم، فهل يُعطي ذلك أساسًا للطعن ببطلانه؟ وهل ستعترف المحاكم الوطنية بتنفيذه؟ اتفاقية نيويورك 1958 — وهي العمود الفقري لتنفيذ أحكام التحكيم دوليًا — بُنيت على فرضية المحكم البشري. ولم يتطرق أحد بعد لمراجعتها بشكل جدي في ضوء هذا التطور.
ثم هناك مسألة التحيز. الأنظمة تتدرب على بيانات سابقة. ماذا لو كانت هذه البيانات تعكس أنماطًا قديمة غير متوازنة؟ وهل سيؤدي توسع هذه الأنظمة إلى تضييق هامش المرونة التقديرية التي يتميز بها التحكيم أصلًا عن القضاء؟
والسرية مسألة حقيقية لا يمكن تجاهلها. التحكيم التجاري مبني على حماية الأسرار التجارية والبيانات المالية والعقود الحساسة. إدخال أي نظام ذكاء اصطناعي في هذه المعادلة يستدعي إجابات واضحة عن الأمن السيبراني وحماية البيانات — قبل التطبيق، لا بعده.
ما الذي نستنتجه من كل هذا؟
لسنا أمام تحديث تقني لمنظومة قائمة. نحن أمام إعادة تفكير في فلسفة العدالة الخاصة من الأساس. وخلال السنوات القليلة القادمة، قد تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي عنصرًا ثابتًا في كل مرحلة من مراحل التحكيم — من التقييم الأولي للنزاع، إلى صياغة الحكم، إلى توقع التعويضات.
المحامي الذي لا يفهم هذه التحولات اليوم سيجد نفسه لاحقًا يشرح لموكله لماذا خسر قضية كان بالإمكان تجنبها.
المستقبل لن يكون قانونيًا فقط. سيكون تقنيًا أيضًا.
المصادر: AAA-ICDR • A&O Shearman • Akin Gump • JDSupra • ADR.org

