طالما نأيتُ بنفسي عن الكتابة أو النشر في الشأن الكروي، وتحديداً في تلك المساحة المشحونة بالجدال بين قطبي الكرة المصرية، الأهلي والزمالك. كنت أرى دائماً أن ما يفيض به الفضاء الإعلامي يومياً من حوارات ونقاشات بين رياضيين وإعلاميين يكفي ويزيد، وأن الدخول في هذا المعترك قد لا يضيف جديداً وسط أمواج التعصب العاتية.
لكن، ما استفز غريزتي كقارئ ومتابع، ودفعني لكسر هذا الصمت والكتابة اليوم، هو مشهد جمعني مؤخراً باثنين من الأصدقاء المقربين؛ أحدهما "أهداه القدر" عشق الكيان الأحمر، والآخر "اختار" أن يعيش متيماً بالرداء الأبيض.
دار بينهما جدال كروي محتدم، ولكنه كان مغلفاً بذكاء ومصحوباً بنبرة تعكس حقيقة ما يدور في الشارع الكروي؛ حيث تحول النقاش من مجرد فوز وخسارة إلى محاكمة تاريخية للأرقام وسيكولوجية الجماهير.
هذا الحوار جعلني أتأمل تلك الحالة الفريدة؛ فلماذا يغضب مشجع الأهلي، المتربع على عرش البطولات، من فوز الزمالك ببطولة أو حتى بمباراة؟ ولماذا يحول مشجع الزمالك أي انتصار عابر إلى "ملحمة كبرى" تثير حفيظة منافسه؟
في عالم الساحرة المستديرة، لا يمكن لأي قطب أن يكتسب بريقه الكامل دون وجود منافس قوي يدفع به نحو القمة.
المنافسة التاريخية ليست منّة من طرف على آخر، بل هي شراكة صنعت مجد الكرة المصرية والعربية برمتها.
النادي الأهلي، بتاريخه العظيم وإنجازاته العالمية المشرفة، لم يصل إلى هذه المكانة في فراغ؛ بل صقله وجود منافس تاريخي عنيد بحجم نادي الزمالك، وهو الصراع الكروي الذي خلق الشغف وجعل من "ديربي القاهرة" واحداً من أقوى الديربيات عالمياً.
قد يرى البعض، بلغة الأرقام والإحصائيات التراكمية في السنوات الأخيرة، أن الكفة تميل بوضوح وبفارق شاسع لصالح النادي الأهلي، وهي حقيقة رقمية واقعية يفرضها الاستقرار الإداري وحصد البطولات المتتالي. لكن المقارنة الرقمية البحتة، رغم أهميتها، لا تختزل "هوية" الأندية ولا تلغي طبيعة المنافسة.
لو أخذنا بمنطق "الأرقام المتباعدة تلغي المنافسة"، لانتهت أعظم ديربيات العالم؛ كديربي إيطاليا بين يوفنتوس وميلان أو إنتر، حيث الفارق الرقمي المحلي شاسع، ومع ذلك تظل الندية قائمة باسم التاريخ والتأثير الثقافي. فالزمالك، الذي تربع لعقود على عرش القارة في القرن الماضي كأكثر الأندية تتويجاً بالبطولات الإفريقية، يملك في جيناته كبرياءً يجعله يعود دائماً للتحدي مهما تعثر.
وهنا تكمن الإجابة عن سر "المناوشات والمبالغات" التي تزعج مشجع الأهلي أحياناً، حيث يعود الأمر لاختلاف دوافع الفرحة وسيكولوجية كل جمهور، فبينما اعتاد مشجع الأهلي على "ثقافة السيطرة" وحصد الألقاب بانتظام حتى أصبح الوصول للمنصات العالمية روتينًا سنويًا يربط فرحته بالإنجازات الثقيلة فقط ويجعل أي تعثر أزمة تتطلب التصحيح، نجد في المقابل أن مشجع الزمالك قد عاش سنوات من الأزمات الإدارية والمالية وظل متمسكاً بناديه، وهذا الصمود جعل المشجع الزملكاوي يحتفل بأي انتصار بقوة وصخب لأنه لا يرى فيه مجرد فوز كروي، بل يراه انتصاراً للهوية على الظروف المعوقة.
لذلك، ما يراه الأهلاوي "مبالغة أو ظيطة"، يراه الزملكاوي "كبرياءً وتمسكاً بالوجود". وفي النهاية، يجب أن ندرك أن التفوق الرقمي للأهلي هو "الأصل" الذي يمنح جماهيره الثقة والسيادة، ومحاولات الزمالك المستمرة للحاق به هي "الملح" الذي يحمي المنافسة من الموت الإكلينيكي.
الأهلي والزمالك هما جناحا الكرة المصرية؛ لا يطير أحدهما بمفرده، وعظمة البطل لا تظهر بأبهى صورها إلا بقدرة منافسه على النهوض ومحاولة تحديه من جديد. فلنستمتع بالمنافسة في إطارها الرياضي الراقي، ولنعلم أن متعة كرة القدم تكمن في هذا التدافع الشغوف، دون تعصب أو تقليل من كيان طالما صنع جزءاً من تاريخ هذا الوطن.
