ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

نناقش في هذه الحلقة واحداً من أكثر الملفات غموضاً وتعقيداً في الشرق الأوسط: وهو طبيعة العلاقة بين جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية.

علاقة تبدو أمام الكاميرات كأنها عداوة تاريخية… لكن خلف الستار… قد تكون قصة مختلفة تماماً.

فهل كانت إيران عدواً حقيقياً لأمريكا؟ أم أنها كانت شريكاً مؤقتاً… أو خصماً محسوباً؟

ولماذا ظل النفط دائماً هو العنوان الأكبر لكل صراع؟ولماذا كانت إيران مهمة لأمريكا وبريطانيا؟

دعونا نبدأ من البداية… إيران لم تكن دولة عادية في حسابات الغرب.

بل كانت كنزاً استراتيجياً… لأنها ببساطة تمتلك واحداً من أغنى الاحتياطات العالمية من النفط والغاز.

ولذلك… كانت الإدارة الأمريكية والبريطانية تنظر إلى إيران باعتبارها دولة يجب أن تبقى تحت السيطرة،ليسة تحت السيطرة عسكرياً فقط… بل اقتصادياً عبر شركات النفط الكبرى.

كانت الشركات البريطانية والأمريكية تتمتع بحقوق امتياز التنقيب والاستغلال، وكان النفط الإيراني يتدفق… لكن ليس بالضرورة لصالح الإيرانيين.

وهنا نتساءل كيف يمكن لشعب أن يعيش فوق بحر من النفط… ولا يشعر أنه يملكه؟

في عام 1951… جاءت الانتخابات الإيرانية… وصعد رجل سيغيّر التاريخ: أنه محمد مصدق.

مصدق لم يكن سياسياً عادياً… بل كان صاحب مشروع قومي واضح.

أول خطوة قام بها كانت صادمة للغرب: تأميم شركات النفط.

وأعلنها صريحة… مدوية… لا نقبل التفاوض:"بترول إيران للإيرانيين… وليس للغرب."

وهنا… بدأ الصدام الحقيقي.

لأن الغرب لم يكن يرى النفط مجرد تجارة… بل كان يعتبره جزءاً من أمنه القومي.

فهل كان من الممكن أن تسمح أمريكا وبريطانيا بأن تُسحب هذه الورقة من أيديهم؟

هل يمكن أن ينجح زعيم في دولة نفطية… دون موافقة القوى الكبرى؟

الإجابة جاءت سريعاً… وبطريقة معروفة في السياسة الدولية.

تحرك المخابرات الامريكية والبريطانية وتدبير انقلاب1953…

عام 1953… شهدت إيران واحداً من أخطر الأحداث في تاريخها الحديث، تحركت أجهزة المخابرات الأمريكية… وعملت على إثارة الشارع الإيراني ضد حكومة مصدق.

تصعيد سياسي… اضطرابات… فوضى… حتى انتهى الأمر بحل البرلمان… وإسقاط الحكومة.

وتم القبض على محمد مصدق… وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، ثم أمضى ما تبقى من حياته تحت الإقامة الجبرية.

ونتسائل هنا هل كانت هذه ثورة شعبية حقيقية؟ أم أنها عملية سياسية كبرى صُنعت في الغرف المغلقة؟

الشارع كان موجوداً… نعم. لكن من كان يحرّكه؟ ومن كان يمسك بالخيوط؟

هل كانت أمريكا وراء ثورة الخمينى، .. نعم أمريكا تكرر نفس السيناريو لاسقاط الشاه… ؟

قد يعتقد البعض أن أمريكا كانت دائماً حليفاً للشاه…لكن الواقع يحمل مفاجأة.

في أواخر السبعينات… بدأ الشاه يتخذ قرارات صعبة… وأخطرها كان قراره بأن يكون عام 1979 هونهاية وجود شركات النفط الغربية في إيران. مؤكداً رفضه تجديد الاتفاقيات النفطية مع الغرب.

وهنا… أصبح الشاه عبئاً على الغرب … لا حليفاً.

أدى إقدام الشاه على هذا القرارى الى قيام أربعة من كبار قادة العالم: الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، رئيس وزراء بريطانيا جيمس كالاهان ، الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان ، ومستشار ألمانيا الغربية هيلموت شميدت، ... بعقد مؤتمر سري في جزيرة غوادلوب الفرنسية: في الفترة من 4 إلى 7 يناير 1979. ، حيث كان الملف الإيراني في مقدمة الملفات .. .. والقرار كان واضحاً: وهو يجب أن يرحل الشاه.

لكن السؤال هنا إذا كانت أمريكا حليفاً للشاه… فلماذا كانت أول من يقرر رحيله؟

بعد مؤتمر غوادلوب… بدأ الحديث عن البديل.

وكان الخمينى هو البديل الذي بدأ الغرب يتعامل معه كحل لتلك الازمة.

وتشير شهادات متعددة إلى أن المخابرات الأمريكية كلفت أحد مساعدي الخميني، وهو صادق قطب زادة،بملف التفاوض باسم الخميني… لمعرفة توجهاته السياسية إذا وصل إلى الحكم.

وكان الشاه نفسه… قد أشار في مذكراته… إلى أن القرار النهائي في مؤتمر غوادلوب كان الموافقة على رحيله،.... تحت زعم إنشاء شرق أوسط جديد دون وجود سوفيتي.

إذاً هل كان الخميني ثائراً ضد الغرب؟ أم أنه كان خياراً اضطرارياً للغرب بعد انتهاء صلاحية الشاه؟

وثائق CIA… وما لم يُقل عن ولاية الفقيه.

الأخطر… أن وثائق نُشرت لاحقاً بعد رفع السرية عنهاأظهرت جانباً غير متوقع من الثورة الإيرانية.

حيث تشير الوثائق إلى أن مشروع "ولاية الفقيه" وصعود التيار الإسلامي، لم يكن مجرد تطور داخلي… بل ارتبط بفكرة أمريكية أوسع: تمثل في تصعيد الإسلاميين في المنطقة لخدمة مشروع سياسي إقليمي.

وهنا نربط المشهد بالتاريخ القريب… نفس السيناريو تكرر بعد 2011 في الربيع العربي، وصعود الإخوان المسلمين كوجه سني لنموذج ولاية الفقيه الشيعي.

لكن المشروع اصطدم لاحقاً بتحولات كبرى، أبرزها أحداث 30 يونيو 2013.

والوثائق تشير أيضاً إلى أن الخميني طلب من إدارة كارتر التدخل لإسقاط حكومة رئيس الوزراء الايرانى /شابور بختيار،...  وأيضاً طلب الخمينى من إدارة كارتر التدخل لإجبار الجيش على الاستسلام قبل عودته إلى طهران.

هنا نتساءل هل كانت الثورة الإيرانية ثورة ضد أمريكا… أم ثورة تمت بعلم أمريكا؟

وهنا المفارقة الأكثر غرابة… بعد أن استولى الخميني على السلطة… لم تتوقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإيران.

رغم أن الخميني كان يصف أمريكا بالشيطان الأكبر،كانت الأسلحة الأمريكية تصل إلى إيران!

طائرات نقل من نوع هيركوليز وبوينج 747 تتردد بين نيويورك وإيران مروراً بمدريد وجزر الأزور.

قطع غيار… معدات… دعم غير مباشر. وكانت إيران بحاجة لهذه الأسلحة لإخماد تمرد القبائل الكردية في الغرب الإيراني.

وطوال فترة الحرب العراقية الإيرانية والتي امتدت لثمان سنوات لم يتوقف تمويل أمريكا لطرفى الحرب بالسلاح، فأمريكا ترى أن الحرب تساهم في تشغيل مصانع السلاح الامريكية من جهه ومن جهةً أخرى فإن الحرب تعمل على اضعاف طرفى الصراع وتمنع وجود قوة في المنطقة تمثل تهديداً لحليفتها إسرائيل.

والاعتراف بذلك نُشر في صحف ومجلات أمريكية وبريطانية كبرى.

وهنا نسأل: كيف يمكن لدولة أن تعادى أمريكا علناً… ثم تعتمد على سلاحها عملياً؟

أليس هذا تناقضاً صارخاً؟

مع دخول القرن الجديد… أصبحت العلاقة أكثر تعقيداً.

بعد أحداث أفغانستان… ثم غزو العراق عام 2003…ظهر تعاون غير معلن بين الطرفين.

بل خرج مسؤولون إيرانيون واعترفوا صراحة بذلك.ففي مؤتمر عقد بأبو ظبي عام 2004، صرّح محمد علي أبطحي نائب الرئيس الإيراني قائلاً: "لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة."

وكذلك صرح رافسنجاني عام 2002 بأن القوات الإيرانية قاتلت طالبان... وساهمت في إسقاطها،

وقال بوضوح: "لو لم نساعد في قتال طالبان لغرق الأمريكيون في المستنقع الأفغاني."

وهنا سؤال إذا كانت إيران عدوة لأمريكا… فلماذا ساعدتها في إسقاط طالبان وصدام؟

في نفس الوقت الذي كانت فيه أمريكا تغزو العراق…كانت إيران تُعد وثيقة تفاوضية جريئة… أُطلق عليها: الصفقة الكبرى... تم نقل الوثيقة عبر وسيط سويسري إلى واشنطن في مايو 2003.

وتضمنت تنازلات مذهلة: الملف النووي، العلاقة مع إسرائيل، التعاون ضد تنظيم القاعدة، إنشاء مجموعات عمل مشتركة، حول أسلحة الدمار الشامل، والإرهاب، والتعاون الاقتصادي.

وهنا نعود لنطرح نفس السؤال: هل كان الصراع الأمريكي الإيراني صراعاً حقيقياً… أم مجرد صراع على شروط الصفقة؟

البعض يرى أن التوافق الامريكى الايرانى لم يكن سياسياً فقط… بل أيديولوجياً أيضاً.

فالإدارة الأمريكية في عهد بوش الأب والابن، تأثرت بفكرة دينية إنجيلية توراتية ترى أن تدمير العراق بإعتبارها البلاد التي تعرض فيها اليهود للسبى يعد شرطاً اساسياً لعودة المسيح.

وفي المقابل… يرى التيار الشيعي المتشدد في إيران أن الفوضى والدمار في العراق والحجاز واليمن

هي مقدمات لخروج المهدي.

وهنا المفارقة: نفس الفكرة… لكن بأسماء مختلفة.

المسيح المنتظر… عند الغرب.

والمهدي المنتظر… عند ولاية الفقيه.

والسؤال: هل كانت العقائد تتحرك خلف السياسة… أم كانت السياسة تستخدم العقائد كغطاء؟

في مفاجأة جديدة… نشرت BBC وثائق ورسائل متبادلة بين الخميني والرئيس الأمريكي جون كيندي.

إحدى الرسائل تتضمن تعهداً من الخميني ، بضماناستمرار تدفق النفط إلى أمريكا والغرب بعد نجاح الثورة.

ورسالة أخرى تتضمن اعتذاراً بسبب وصفه أمريكا بالشيطان الأكبر في خطاب علني.

وهنا نسأل: كيف لرجل يرفع شعار الموت لأمريكا… أن يراسل رئيسها سراً؟

ورغم كل هذا التوافق… لم تكن العلاقة مستقرة.

لأن الصراع الحقيقي كان على الغنيمة.

يمكن تشبيه العلاقة بين إيران والولايات المتحدة بأسدين… يتحالفان لاصطياد فريسة… لكن بعد سقوط الفريسة… يبدأ الصراع بينهما على من يلتهم أكثر.

والفريسة هنا… ليست إلا دول المنطقة.

وهنا تصبح العراق نموذجاً واضحاً: منذ احتلال العراق عام 2003… سعت إيران لفرض نفوذها.

وأمريكا أرادت السيطرة الكاملة.

فتعاونوا… ثم تصارعوا… ثم عادوا للتفاهم… ثم عادوا للصراع.

وهكذا أصبحت إيران في العراق بالنسبة لامريكاتسمى: العدو الصديق.

قإيران ليست قوية بما يكفي للسيطرة وحدها… لكنها قوية بما يكفي لتعطيل أمريكا.

بعد سقوط العراق… شعرت إيران أنها محاصرة:أمريكا في أفغانستان شرقاً… وأمريكا في العراق غرباً… فكان الخوف من أن تكون إيران هي الهدف التالي.

لكنها استغلت الفرصة ودون أن تدخل في مواجهة مباشرة: دعمت حلفاءها داخل العراق، رفعت تكلفة الحرب الأمريكية وبذلك منعت واشنطن من التفكير في غزوها.

وهكذا تحولت إيران إلى لاعب خطير في المنطقة…يعمل من خلف الستار… ويتحرك وفق قاعدة واضحة:ادعم خصمك… إذا كان ذلك يحقق لك نفوذاً أكبر.

إذن… نحن أمام علاقة ليست عداوة مطلقة… ولا تحالفاً كاملاً… بل علاقة معقدة… قائمة على المصالح… وعلى إدارة الصراع… لا إنهائه.

إيران وأمريكا… قد يتبادلان الاتهامات أمام الإعلام…لكن خلف الكواليس… هناك تفاهمات… وصفقات… وحسابات دقيقة.

النفط كان البداية… والعراق كان الساحة… والمنطقة كلها أصبحت ميدان اختبار لهذه العلاقة.

والسؤال الان: هل كانت إيران عدوة لأمريكا فعلاً؟

أم أنها كانت جزءاً من لعبة أكبر… تُدار تحت عنوان "الخصومة المعلنة… والتفاهم الخفي"؟

وفي الحلقة القادمة… سنفتح أغرب الملفات: علاقة جمهورية إيران الإسلامية بدولة إسرائيل… تاريخ معقد بين العداء والمصالح

تم نسخ الرابط