النقيب مجدي حافظ يكتب: ليس دفاعًا عن فريد بك الديب
النقاش الدائر والمتصاعد بشأن قيام الدكتور حمودة بإعطاء بعض الأفكار للدفاع عن الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، وتسليمها للأستاذ فريد الديب بعد اعتذاره عن استكمال الدفاع.. هذه شهادتي من واقع حضوري جميع جلسات المحاكمتين، وترافعي فيهما عن المتهم السابع بأمر الإحالة.
أولًا: صدر أمر الإحالة في مطلع شهر مارس، وكانت القضية تضم وقائع ميدان التحرير فقط.
وبعد الإحالة تم ضم جميع القضايا الخاصة بمديريات الأمن المختلفة على مستوى جمهورية مصر العربية، ووصلت أوراق القضية إلى ما يقرب من مائة ألف ورقة، ولم تكن محالة بهذا الكم من الأوراق والتحقيقات منذ البداية.
لذلك لا يمكن أن تكون فكرة - إن صحت - طُرحت في تحقيق مبدئي، ثم تستمر فاعليتها بعد ضم كل هذه القضايا والتحقيقات.
ثانيًا: وردت أوراق وتحقيقات لجنة تقصي الحقائق بعد ما يزيد على ثلاث سنوات من بدء المحاكمة، ولم يكن قد اطلع عليها أو يعرف عنها شيئًا.
ثالثًا: التحقيقات التي أجرتها المحكمة بسماع النائب العام السابق، ورجال المخابرات، وخطابات مساعد وزير الخارجية، وقائد الحرس الجمهوري، كلها أمور لم تكن تحت نظره.
رابعًا: شهادة المشير طنطاوي - ولي عودة أخرى إليها - هي التي حسمت الأمر عندما أكد أن الرئيس مبارك لم يصدر أمرًا بضرب المتظاهرين، وأن اجتماع وزير الداخلية ومساعديه انتهى إلى أن أقصى ما يمكن استخدامه هو الغاز والمياه لتفريق المتظاهرين.
وفي المحاكمة الثانية أكد المشير أن الرئيس لم يستطع مجرد التلميح أو حتى الإشارة إلى صلاحية جمال مبارك للحكم من بعده، وأنه وباقي أعضاء المجلس العسكري لم ينظروا إليه إلا باعتباره ابن الرئيس، وقال نصًا: “لم ننظر إليه إلا كابن، وهو لم يحصل حتى على مجرد تدريب في أكاديمية عسكرية.”
وأضاف بما معناه أنه لم يكن من الممكن الموافقة عليه لتولي حكم مصر.
كما اعتذر يومها للسيد جمال مبارك عن النظرة التي كانوا يرونه بها باعتباره أصغر من تحمل مسؤولية حكم مصر.
واللواء حسن الرويني، قائد المنطقة المركزية العسكرية وقت الأحداث، أفاد بذات المضمون.
كل هذه الشهادات جاءت لاحقة على التواريخ التي ذكرها الدكتور حمودة، فنتحدث إذن عن أي أفكار؟ وأي مذكرات؟
وقد تمسك الأستاذ فريد الديب بالدفع بحجية الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى في المحاكمة الثانية.
كما تمسك باختصاص القضاء العسكري بنظر الدعوى استنادًا إلى قانون صادر عام 1977 في عهد الرئيس السادات، يقضي بأن قادة الجيوش والأفرع الرئيسية الذين يشغلون مناصب مدنية تعود إليهم صفتهم العسكرية حال زوال الوظيفة المدنية.
ومن شهادات المحاكمة الثانية شهادة الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى، الذي أكد أنه لم ير مع الشرطة أسلحة نارية، ولم يشاهد أحدًا من المتظاهرين مصابًا بطلقات نارية.
كما تم عرض المشاهدات المصورة على المحكمة، ومسير الشرطة، وتسجيلات جميع البلاغات الواردة إلى هواتف النجدة.
كل ذلك لم يكن متاحًا لمن قال إنه أمد الأستاذ فريد الديب بمذكرات أو حتى بأفكار.
وفي المحاكمة الثانية تناول الأستاذ فريد الديب، في مستهل مرافعته، الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل بكثير من النقد، لما رآه من محاولات لطمس تاريخ الرئيس مبارك.
وبالمناسبة، وللتذكرة، راجعوا برنامج وائل الإبراشي عندما قال أحدهم إن لديه معلومات تفيد بأن الرئيس مبارك، عقب انتهاء إحدى الجلسات، ارتدى بدلته ودخل إلى الدائرة التي تنظر الدعوى وشرب معها فنجان قهوة.
اسألوا ماذا فعل المستشار الجليل أحمد رفعت بهذه المقولة وصاحبها.
رحم الله الأستاذ فريد الديب، محاميًا فذًا وقديرًا.
إذا ترافع بالعامية أقنعك، وإذا ترافع بالفصحى أذهلك.
أداء راقٍ، وتاريخ قانوني مشرف.
وللزيادة، بعيدًا عن هذا الموضوع، وحتى نعرف من هو فريد الديب: أبدع في إحدى القضايا حتى وضع قواعد قانونية استقرت عليها محكمة النقض وعدلت بها مسارًا قانونيًا مهمًا.
لمن لا يعرف، كانت القضية رشوة متهم فيها قاضٍ، والقائم بالضبط فيها هيئة الرقابة الإدارية التي حصلت على إذن من النيابة.
ودفع الأستاذ فريد الديب بعدم اختصاص الرقابة الإدارية، باعتبار أن القضاة ليسوا من موظفي الدولة الذين تختص بهم الرقابة الإدارية، وإنما هم سلطة قائمة بذاتها وفقًا للدستور، وأخذت محكمة النقض بهذا الدفع.
وفي ذات الدعوى طلب مناقشة المتهم المعترف، المعفى من العقاب، باعتباره شاهدًا، ورفضت محكمة الإعادة ذلك، إلا أن محكمة النقض وافقته على طلبه.
إنه فريد الديب.
لم أكن يومًا بمكتبه، ولم أكن متدربًا لديه، وإنما من حسن حظي أنني تشرفت بزمالته في أكثر من قضية.
إنه مبدع وفنان.
هذا للتاريخ وللحق، وليس دفاعًا عن فريد بك الديب.







