تكريم زهرة العلا في منزلها: لمحات من حياة أيقونة الفن المصري في ذكرى ميلادها
تحل اليوم الأربعاء 10 يونيو ذكرى ميلاد الفنانة الراحلة زهرة العلا، تلك القامة الفنية الكبيرة التي ولدت عام 1934 وتركت خلفها إرثاً لا يُنسى من الأعمال الإبداعية.
عاشت الفنانة زهرة العلا محطات فنية مهمة منذ نعومة أظفارها، متسلحة بموهبة فطرية صقلتها بالدراسة الأكاديمية في معهد الفنون المسرحية، لتصبح واحدة من أبرز الوجوه التي شكلت وجدان المشاهد المصري والعربي على مدار أجيال طويلة.

بدايات النشأة وتلمذة على يد عمالقة الفن
بدأت رحلة زهرة العلا الفنية بعد حصولها على دبلوم معهد الفنون المسرحية، حيث انتقلت مع عائلتها من المحلة الكبرى إلى العاصمة القاهرة لتفتح أمامها أبواب المجد. كان لقاؤها بعملاق المسرح يوسف وهبي نقطة تحول جوهرية في مسيرتها، حيث تتلمذت على يديه وعملت في مسرحه، مما أكسبها خبرة كبيرة وقدرة فائقة على تجسيد الشخصيات بصدق وإقناع على خشبة المسرح قبل أن تنتقل إلى شاشات السينما والتلفزيون.
تنوعت أدوار زهرة العلا بشكل مذهل، حيث قدمت خلال مسيرتها الطويلة نحو 120 فيلماً سينمائياً، شاركت فيها كبار النجوم في أعمال أيقونية لا تزال محفورة في ذاكرة السينما. من أبرز أفلامها "رد قلبي"، "جميلة"، "في بيتنا رجل"، "دعاء الكروان"، و"نهر الحب"، حيث أثبتت دائماً قدرتها على تقديم الأدوار الدرامية والكوميدية والاجتماعية بنفس الدرجة من الإتقان والبراعة التي ميزتها عن أقرانها.
عطاء لا ينضب وتكريم في لحظات الوفاء
لم تقتصر إبداعاتها على السينما فقط، بل امتدت لتشمل التلفزيون والإذاعة، حيث قدمت ما يزيد عن 50 مسلسلاً تلفزيونياً متنوعاً، منها أعمال خالدة مثل "إني راحلة"، "على هامش السيرة"، و"زهور وأشواك". كانت زهرة العلا نموذجاً للفنانة المثقفة التي تحترم جمهورها، وهو ما جعل أعمالها الإذاعية والمسرحية، مثل مسرحيات "حواء الساعة 12" و"مراتي حنان"، تحظى بشعبية واسعة في مختلف الأوساط الثقافية.
في لفتة إنسانية معبرة، وتحديداً في عيد الأم يوم 21 مارس 2010، كرمها "المركز الكاثوليكي" ضمن فعالية "يوم العطاء"، ولكن نظراً لظروفها الصحية، قام الأب بطرس دانييل بتسليمها الدرع في منزلها. كانت تلك اللحظة تجسيداً لتقدير المجتمع الفني لما قدمته من عطاء، حتى وافتها المنية مساء الأربعاء 18 ديسمبر 2013، بعد معاناة مع المرض، تاركة خلفها سيرة عطرة وإرثاً فنياً تتناقله الأجيال بكل حب وفخر.
تعتبر الفنانة الراحلة زهرة العلا علامة فارقة في تاريخ الفن المصري، حيث تميزت بكونها فنانة شاملة استطاعت ببراعة أن تضع بصمتها في السينما والمسرح والتلفزيون على حد سواء. نشأت موهبتها في بيئة تقدس الفن، فصقلت مهاراتها الأكاديمية في معهد الفنون المسرحية قبل أن تنطلق في مسيرة فنية استثنائية، متأثرةً بمدرسة العمالقة التي أسس لها رائد المسرح يوسف وهبي. ولم يكن حضورها الفني مجرد مشاركة في الأعمال، بل كان تجسيداً لملامح الفتاة المصرية والزوجة والأم، بأسلوب اتسم بالرقي والصدق الفني الذي جعلها قريبة من قلوب المشاهدين لسنوات طويلة.
تجاوز عطاؤها حدود التمثيل لتصبح أيقونة للالتزام والإبداع، حيث قدمت أعمالاً أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الجمعية العربية، مثل أفلامها الخالدة التي تنوعت بين الدراما الملحمية والكوميديا الاجتماعية. ورغم سنوات المرض التي أبعدتها عن الأضواء في أواخر حياتها، إلا أن تقدير المجتمع الفني لها لم ينقطع، وهو ما تجلى في تكريمها بلقب "فنانة العطاء". إن ذكرى ميلاد زهرة العلا ليست مجرد احتفال بمناسبة تاريخية، بل هي وقفة لاستذكار مسيرة فنانة واعية، نجحت في تقديم فن يحترم عقل المشاهد، مخلفةً وراءها تراثاً غنياً لا يزال يشكل مرجعاً للأجيال الجديدة في فن الأداء الراقي.