في رأيي أنَّ قضيَّةَ: (الصحافة والتريند)، وأيُّهما يصنعُ الآخرَ؟ ومَنْ يؤثرُ في الآخر؟ ومَن الذي يأتي أولًا، ومَنْ الذي يأتي آخرًا؟ وأيُّهما السببُ، ومَنْ النتيجةُ؟ أصبحتْ مثلَ قضيَّةِ (البيضة والدجاجة) المرتبطةِ بالسؤالِ التقليديِّ الفلسفيِّ العقيمِ الذي يقولُ: أيُّهما الأصلُ: البيضةُ أم الدجاجةُ؟ وهي بلا شَكٍ من القضايا المِهْنيَّةِ العقيمةِ التي لا تسمنُ ولا تغني من جوعٍ، وليسَ له إجابةٌ واحدةٌ، ولكنَّ الأمرَ يختلفُ من حالةٍ لأخرى، ومن سياسيةٍ تحريريَّةٍ لأخرى، ومن قناعةٍ صحفيًةٍ لأخرى.
وإذا أردْنَا أن نجيبَ عنِ هذا التساؤلِ من زاويةٍ مِهْنِيَّةٍ وأكاديميَّةٍ بحتةٍ، فقد درسنَا في المرحلةِ الجامعيَّةِ، فيما يتعلَّقُ بعناصرِ الخبرِ التي تجعله جديرًا بالنشرِ (عنصر الشهرة) ودرسنا أنَّ (الأسماء الشهيرة تصنعُ الأخبار) يعني أنَّه كُلَّمَا ارتبطَ الخبرُ باسمِ شخصيةٍ شهيرةٍ أو عامةٍ؛ كان ذلك جوازًا لمرورِه عبرَ البواباتِ الصحفيَّةِ، وفُتِحَتْ أمامَه أبوابُ والنشرِ، وقد يحدثُ العكسُ في حالاتٍ أخرى، ونجدُ أنَّ الأحداثَ والوقائعَ الشهيرةَ هي التي (قد) تصنعُ من الأسماءِ المغمورةِ نجومًا ساطعةً، تسبحُ في سماءِ (التريند)!!!
لكن ما يحدثُ الآنَ في كثيرٍ من المواقعِ الإخباريَّةِ مهزلةٌ مِهْنِيَّةٌ وجريمةٌ ومخالفةٌ أخلاقيَّة لكُلِّ القواعدِ والأعرافِ والمبادئ الصحفيَّة، وتجعل الصحفيينَ خاصةً الشبابَ منهم، الذينَ هم في بدايةِ الطريقِ أشبه ما يكونوا ب(المتسولينَ) الذينَ يلهثونَ ويركضونَ خلفَ أي حادثةٍ أو واقعةٍ، يلقونَ إليها السمعَ، ويسلطونَ عليها الضوءَ، ويبرزونَها ويبروزونها في إطارٍ مُعَيَّنٍ، يقتاتُ عليه الموقعُ بضعَ ساعاتٍ أو أيَّامٍ معدوداتٍ، ليبحثَ الموقعُ بعدَها عن قضيَّةٍ أخرى تصلحُ لجذبِ أكبرِ عددٍ من المتابعينَ، وذلكَ الأسلوبُ المِهْنيُّ الرخيصُ و (غير المحترم) يضربُ المبادئ والوظائفَ والأهدافَ والرؤيةَ والرسالةَ الصحفيَّةَ في مَقْتَلٍ، ويجعلُ من الصحافةِ مِهنةً للتسولِ، ويجعلُ من الصحفيينَ كتائبَ من المتسولينَ!!!