من الكُتَّاب إلى مشيخة الأزهر.. رحلة الإمام الطيب من قرية القرنة إلى قيادة أعرق مؤسسة إسلامية
على البر الغربي من مدينة الأقصر، وفي قرية القرنة بصعيد مصر، عاش الجد الأكبر شيخًا أزهريًا مهيبًا ينتمي إلى أسرة من الأشراف عُرفت بالتدين والعلم، وكان الناس يقصدونه لقضاء حوائجهم وحل مشكلاتهم. ومنذ أن انتظم طالبًا بالأزهر الشريف، عقد العزم على الإعراض عن الوظائف الرسمية التي كانت تُتاح لخريجي الأزهر آنذاك.
وبعد أن أنهى فترة المجاورة بالأزهر الشريف، عاد إلى بلدته القرنة مكتفيًا بما تدره عليه قطعة الأرض التي يمتلكها، ومتفرغًا لتعليم الناس وخدمتهم والسعي في قضاء مصالحهم.
وفي هذه الأسرة المباركة وُلد عام 1946م طفل سيصبح لاحقًا الرئيس العاشر لجامعة الأزهر ثم الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف، إنه فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد محمد الطيب.
وكان من جميل تدبير الله تعالى له في بداية حياته التعليمية أن والده كان قد همّ بإلحاقه بمدارس التعليم العام، غير أن صباح يوم الدراسة شهد تغييرًا في القرار؛ إذ اصطحبه إلى مكتب تحفيظ القرآن الكريم بدلًا من المدرسة، ليُتم حفظ كتاب الله كاملًا وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره.
مسيرة علمية متفوقة
حصل الإمام الطيب على الشهادتين الإعدادية والثانوية الأزهرية بمعهدي إسنا وقنا، ثم التحق بكلية أصول الدين بالقاهرة، وتخرج في شعبة العقيدة والفلسفة عام 1969م بتقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف، محتلاً المركز الأول على دفعته، ليُعين معيدًا بالقسم في العام نفسه.
واصل مسيرته العلمية فحصل على درجة الماجستير عام 1971م بتقدير جيد جدًا، وشغل وظيفة مدرس مساعد عام 1972م، ثم حصل على إجازة دراسية للسفر للخارج في مهمة علمية اعتبارًا من 4 يوليو 1973م.
وفي عام 1977م نال درجة العالمية (الدكتوراه) بتقدير مرتبة الشرف الأولى عن رسالته «موقف أبي البركات البغدادي من الفلسفة المشائية»، بإشراف الأستاذ الدكتور عوض الله حجازي، الرئيس الخامس لجامعة الأزهر.
وفي العام نفسه شغل درجة مدرس، ثم سافر إلى جامعة باريس بفرنسا في مهمة علمية لمدة ستة أشهر، وبعد عودته صدر الأمر التنفيذي عام 1979م بالموافقة على انتدابه للعمل في مكتب وكيل الجامعة.
خبرات دولية ومناصب أكاديمية
في عام 1980م أُعير للعمل بكلية الشريعة بمكة المكرمة، ثم استكمل إعارته في دولة قطر خلال العام الدراسي 1981/1982م.
وفي عام 1982م رُقي إلى درجة أستاذ مساعد بقسم العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين، ثم حصل على درجة الأستاذية في 6 يناير 1988م، قبل أن يسافر إلى سويسرا عام 1989م.
وتدرج الإمام الطيب في المناصب الأكاديمية والإدارية، فعُين وكيلًا لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بقنا عام 1990م، ثم عميدًا لكلية الدراسات الإسلامية للبنين بأسوان عام 1995م، وجُدد تعيينه لمدة عامين آخرين اعتبارًا من نوفمبر 1997م.
كما عمل عميدًا لكلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية العالمية في باكستان خلال العام الدراسي 1999/2000م، إلى جانب عمله بعدد من الجامعات الإسلامية المرموقة، من بينها جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، وجامعة قطر، وجامعة الإمارات.
مفتيًا للديار المصرية ثم رئيسًا لجامعة الأزهر
في مارس 2002م صدر قرار رئيس الجمهورية بتعيين الدكتور أحمد الطيب مفتيًا للديار المصرية.
وبعد عام واحد، وتحديدًا في 2003م، صدر قرار تعيينه رئيسًا لجامعة الأزهر ليصبح الرئيس العاشر للجامعة، وهو المنصب الذي شغله حتى عام 2010م.
ومنذ توليه رئاسة الجامعة في 28 سبتمبر 2003م وحتى 19 مارس 2010م، قاد الإمام الطيب واحدة من أبرز مراحل التطوير والتحديث في تاريخ الجامعة، ساعيًا إلى مواكبة متطلبات العصر مع الحفاظ على هوية الأزهر ورسالة الوسطية.
قائد التطوير والتحديث بجامعة الأزهر
شهدت جامعة الأزهر خلال رئاسته طفرة كبيرة في التوسع الأكاديمي، حيث أُنشئت كليات البنات الأزهرية بالعاشر من رمضان، والبنات الأزهرية بطيبة الأقصر، والهندسة للبنات بالقاهرة، والدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالقرين، والدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالسادات.
كما أُنشئت شعبة القانون باللغة الإنجليزية بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة، وشعبة اللغة الإنجليزية بكليات التجارة للبنين والبنات، وشعبة الشريعة والقانون بكلية البنات الإسلامية بأسيوط، وتحولت شعبة طب الأسنان للبنات إلى كلية مستقلة.
وشهد عهده افتتاح مركز الحاسب الآلي، ووحدة الإخصاب الطبي المساعد، وإدخال تدريس اللغة الإنجليزية لطلاب الكليات الشرعية.
مؤسس التنسيق الإلكتروني وتطوير الإدارة الجامعية
امتلك الإمام الطيب رؤية متقدمة لتطوير الإدارة الجامعية، فطبق نظام الانتساب بكليات جامعة الأزهر، وأدخل نظام التنسيق الإلكتروني، كما جرى تحويل الكارنيهات الورقية إلى كارنيهات ممغنطة.
وخلال تلك الفترة أُنشئ مركز زايد لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، ومكتب رعاية الوافدين الجدد، وتأسست الرابطة العالمية لخريجي الأزهر.
كما شهدت الجامعة إنشاء أول كلية متخصصة للوافدين الناطقين بغير العربية وهي كلية العلوم الإسلامية للوافدين، إلى جانب إنشاء مكتبات سمعية للمكفوفين والوافدين بالمكتبة المركزية.
وفي عهده أُنشئت المعاهد فوق المتوسطة بالجامعة، ومنها معهد مقيمي الشعائر والمعاهد الفنية والهندسية، كما افتتحت أقسام جديدة للدراسات العليا بطب الأسنان للبنات في تخصصات تقويم الأسنان وطب أسنان الأطفال وصحة الطفل.
وشهدت مستشفى الزهراء إنشاء مركز الطب النفسي، كما أُنشئت مستشفى طب الأزهر بأسيوط، ووحدات العلاج بأجر بكليات طب الأسنان للبنين والبنات بالقاهرة وأسيوط، ووحدة المعامل المركزية بكلية العلوم للبنين بالقاهرة، إضافة إلى صندوق الإجازة العالية وصندوق الدراسات العليا وصندوق التطوير.
عضويات وجوائز وأوسمة
حاز فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد الطيب عضوية مجمع البحوث الإسلامية، والجمعية الفلسفية المصرية، والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ومجلس أمناء اتحاد الإذاعة والتليفزيون، كما تولى رئاسة اللجنة الدينية باتحاد الإذاعة والتليفزيون.
وحصل على العديد من الجوائز والأوسمة، من بينها وسام الاستقلال من الدرجة الأولى من ملك الأردن الملك عبد الله الثاني عام 2003م تقديرًا لعطائه وإسهاماته في نشر سماحة الإسلام وقيمه.
وفي العام نفسه تسلم جائزة الشخصية الإسلامية التي حصلت عليها جامعة الأزهر من سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي آنذاك.
إنتاج علمي وفكري بارز
أثرى الإمام الطيب المكتبة الإسلامية بعدد كبير من المؤلفات والدراسات، من بينها: «الجانب النقدي في فلسفة أبي البركات البغدادي»، و«مباحث الوجود والماهية من كتاب المواقف»، و«مفهوم الحركة بين الفلسفة الإسلامية والماركسية»، و«مدخل لدراسة المنطق القديم»، و«مباحث العلة والمعلول من كتاب المواقف»، وتعليق على قسم الإلهيات من كتاب «تهذيب الكلام» للتفتازاني، وتحقيق رسالة «صحيح أدلة النقل في ماهية العقل» لأبي البركات البغدادي.
كما مثل الجامعة في مؤتمرات علمية عديدة في فرنسا والأردن ونيويورك وإيطاليا وروما وإندونيسيا وماليزيا.
إتقان الفرنسية والترجمة والإشراف العلمي
وبفضل إتقانه اللغة الفرنسية، ترجم عددًا من الكتب المهمة إلى العربية، من بينها المقدمات الفرنسية للمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، وكتاب «مؤلفات ابن عربي.. تاريخها وتصنيفها»، وكتاب «الولاية والنبوة عند الشيخ محيي الدين ابن عربي».
كما أشرف على عدد من الرسائل العلمية، من أبرزها رسالة الدكتوراه للباحث غازي بن محمد بن طلال الهاشمي بعنوان «الحب في القرآن الكريم»، وشارك في مناقشة العديد من الرسائل العلمية.
إلى كرسي مشيخة الأزهر
وفي يوم الجمعة الموافق 19 مارس 2010م، صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 62 لسنة 2010م بتعيين الدكتور أحمد الطيب شيخًا للأزهر الشريف، خلفًا للإمام الراحل الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي.
ومنذ ذلك التاريخ، تتواصل جهود الإمام الأكبر في خدمة الأزهر الشريف جامعًا وجامعة، وتعزيز رسالته الوسطية على المستويين المحلي والدولي.
تكريم لمسيرة ممتدة
وتتويجًا لمسيرته الحافلة، وبمناسبة بلوغه الثمانين من عمره، بادر عدد من العلماء والباحثين بإهدائه باقة من البحوث والمقالات جمعها الأمين العام لمجلس حكماء المسلمين المستشار محمد عبد السلام في كتاب بعنوان «في محراب الطيب».
ويبقى الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب واحدًا من أبرز رموز الأزهر الشريف في العصر الحديث، وصاحب مسيرة علمية وفكرية وإدارية امتدت من كُتّاب القرية الصغيرة في الأقصر إلى قيادة أعرق مؤسسة إسلامية في العالم.