ads
عاجل
الجمعة 26 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

بعد أكثر من أربعة عقود.. ما زالت مباراة واحدة تطارد تاريخ كأس العالم

ألمانيا والنمسا.. كيف اتهم المنتخبان بالتواطؤ في مونديال 1982؟

خلف الحدث

في تاريخ بطولة كأس العالم، هناك مباريات خُلّدت بسبب المهارة أو الإثارة أو المعجزات الكروية، لكن هناك مباراة بقيت في الذاكرة لسبب مختلف تمامًا؛ لأنها تحولت إلى رمز لما يمكن أن يحدث عندما تتغلب الحسابات على روح المنافسة.

في مساء 25 يونيو 1982، وعلى ملعب إل مولينون بمدينة خيخون الإسبانية، التقى منتخبا ألمانيا الغربية والنمسا في الجولة الأخيرة من منافسات المجموعة الثانية بكأس العالم. لم تكن الجماهير تعلم أن الدقائق التسعين المقبلة ستصبح واحدة من أكثر المباريات إثارة للجدل في تاريخ اللعبة، وأنها ستدفع الاتحاد الدولي لكرة القدم لاحقًا إلى تغيير نظام البطولة بالكامل.

كيف وصلت المجموعة إلى هذه اللحظة؟

ضمت المجموعة الثانية أربعة منتخبات هي:

  • ألمانيا الغربية.
  • النمسا.
  • الجزائر.
  • تشيلي.

بدأت البطولة بمفاجأة مدوية عندما فاز المنتخب الجزائري على ألمانيا الغربية بنتيجة 2-1، في واحدة من أكبر مفاجآت تاريخ كأس العالم.

بعدها:

  • فازت النمسا على تشيلي.
  • ثم هزمت الجزائر تشيلي بنتيجة 3-2.
  • بينما استعادت ألمانيا توازنها بفوز كبير على تشيلي 4-1.
  • وفازت النمسا على الجزائر بهدفين دون رد.

وبذلك أصبح ترتيب المجموعة قبل المباراة الأخيرة:

  • النمسا: 4 نقاط.
  • الجزائر: 4 نقاط (أنهت جميع مبارياتها).
  • ألمانيا الغربية: نقطتان (لها مباراة متبقية).
  • تشيلي: بلا نقاط.

وكان نظام البطولة آنذاك يمنح الفائز نقطتين فقط، وليس ثلاثًا كما هو معمول به الآن.

الحسابات قبل صافرة البداية

دخل المنتخبان المباراة وهما يعرفان كل السيناريوهات، لأن الجزائر كانت قد أنهت مبارياتها قبل 24 ساعة.

وكانت الحسابات واضحة للغاية:

  • إذا فازت ألمانيا بفارق هدف أو هدفين فقط، يتأهل المنتخبان معًا، وتخرج الجزائر.
  • إذا فازت ألمانيا بفارق ثلاثة أهداف أو أكثر، تودع النمسا.
  • إذا تعادلا أو فازت النمسا، تتأهل النمسا والجزائر ويخرج الألمان.

هذه الحسابات جعلت نتيجة معينة تبدو مثالية للطرفين، وهي فوز ألماني بفارق هدف واحد أو هدفين.

صافرة البداية.. ألمانيا تهاجم بقوة

مع انطلاق المباراة، ظهر المنتخب الألماني بصورة هجومية للغاية.

ضغط بقوة منذ الدقيقة الأولى، وكثف محاولاته على مرمى النمسا.

في المقابل، لم تبدُ النمسا منزعجة من هذا الضغط، بل اكتفت بالتراجع وتنظيم خطوطها الدفاعية.

وبدا واضحًا أن الفريقين يدركان تمامًا طبيعة الحسابات المطلوبة.

الدقيقة العاشرة.. هدف هورست هروبيش

في الدقيقة العاشرة تقريبًا، نجح المهاجم الألماني هورست هروبيش في تسجيل الهدف الوحيد بالمباراة.

جاء الهدف بعد كرة عرضية داخل منطقة الجزاء ارتقى لها هروبيش برأسه وأسكنها الشباك، لتصبح النتيجة 1-0.

بهذا الهدف تحقق السيناريو الذي كان يكفي المنتخبين معًا للتأهل.

وكان الجميع ينتظر استمرار الهجوم من ألمانيا، أو رد فعل هجومي من النمسا.

لكن ما حدث بعد ذلك أصبح محور القضية كلها.

ماذا حدث بعد الهدف؟

بعد تسجيل الهدف، تغيرت المباراة بصورة أثارت دهشة الجميع.

اختفى الضغط الألماني تدريجيًا.

وتراجعت رغبة النمسا في الهجوم بشكل شبه كامل.

وأصبح تبادل الكرة يتم في وسط الملعب دون مخاطرة.

لم تعد هناك انطلاقات جادة.

ولا ضغط مرتفع.

ولا محاولات حقيقية لتعديل النتيجة.

بل بدا وكأن الفريقين اكتفيا بالنتيجة.

ومع مرور الوقت، ازداد شعور الجماهير بأن المباراة فقدت روحها التنافسية.

الشوط الثاني.. تسعون دقيقة بلا كرة قدم

إذا كان الشوط الأول قد شهد على الأقل هدفًا وبعض المحاولات، فإن الشوط الثاني تحول إلى واحد من أكثر الأشواط غرابة في تاريخ كأس العالم.

مرّت الدقائق وسط تمريرات عرضية وخلفية.

كان المدافعون يعيدون الكرة إلى حراس المرمى دون ضغط.

ولم يحاول أي من المنتخبين المغامرة.

كما لم تُسجل فرص خطيرة حقيقية على المرميين.

ورأى كثير من الصحفيين لاحقًا أن المباراة تحولت إلى "إدارة للنتيجة" أكثر منها مباراة كرة قدم.

الجماهير بدأت تدرك ما يحدث

مع مرور الوقت، بدأت الجماهير الموجودة في ملعب إل مولينون تفقد أعصابها.

أطلقت صافرات الاستهجان.

ولوحت بالمنديل الأبيض.

ورددت هتافات غاضبة ضد المنتخبين.

أما الجماهير الجزائرية الموجودة في المدرجات، فكانت الأكثر غضبًا، بعدما شعرت أن منتخبها يُقصى خارج الملعب.

كما تحدثت تقارير صحفية عن أن بعض المشجعين أحرقوا أعلامًا أو ألقوا عملات معدنية داخل أرض الملعب تعبيرًا عن احتجاجهم.

المعلقون لم يخفوا استياءهم

لم يقتصر الغضب على الجماهير فقط.

ففي العديد من الدول، عبّر المعلقون الرياضيون على الهواء مباشرة عن استيائهم مما يشاهدونه.

ووصف بعضهم اللقاء بأنه "وصمة عار".

بينما أعلن التلفزيون النمساوي لاحقًا أن أحد المعلقين طلب من المشاهدين إغلاق أجهزة التلفزيون، معتبرًا أن ما يُقدم على أرض الملعب لا يستحق المشاهدة.

كما امتلأت الصحف الأوروبية في اليوم التالي بعناوين تتحدث عن "مباراة بلا شرف" و"فضيحة في كأس العالم".

هل ثبت وجود اتفاق؟

رغم الاتهامات الواسعة، لم ينجح أحد في إثبات وجود اتفاق رسمي بين المنتخبين.

ولم يفتح الاتحاد الدولي تحقيقًا انتهى بإدانة أي طرف.

لكن كثيرًا من المؤرخين يرون أن ما حدث كان "توافقًا ضمنيًا" أكثر من كونه اتفاقًا مكتوبًا.

فكل فريق كان يدرك أن تغيير النتيجة قد يضر بمصلحته، ولذلك استمرت المباراة حتى النهاية دون محاولة حقيقية لكسر هذا التوازن.

ولهذا بقيت القضية في التاريخ باعتبارها واحدة من أشهر شبهات التواطؤ، لا باعتبارها قضية أُثبتت قانونيًا.

نهاية المباراة.. وبداية الأزمة

أطلق الحكم صافرة النهاية بفوز ألمانيا الغربية بهدف دون رد.

النتيجة كانت كافية لتأهل:

  • ألمانيا الغربية.
  • النمسا.

بينما خرج المنتخب الجزائري من البطولة، رغم فوزه التاريخي على ألمانيا في الجولة الأولى وتحقيقه أربع نقاط.

ومنذ تلك اللحظة، لم تعد المباراة تُعرف باسم "ألمانيا ضد النمسا"، بل أصبحت تُعرف عالميًا باسم فضيحة خيخون أو عار خيخون.

لماذا بقيت المباراة حاضرة حتى اليوم؟

تحولت مباراة خيخون إلى مثال كلاسيكي يُستدعى كلما ظهرت مباريات تُثار حولها شبهات اللعب على نتيجة معينة.

ولهذا عادت إلى الواجهة مجددًا خلال كأس العالم 2026، بعدما شبّه بعض المحللين مباراة أستراليا وباراجواي بها، بسبب النهاية الهادئة التي خدمت مصلحة المنتخبين، رغم عدم وجود أي دليل رسمي على وجود تواطؤ في الحالتين.

لكن يبقى الفارق الجوهري أن مباراة 1982 غيّرت بالفعل تاريخ البطولة، وأصبحت السبب المباشر في واحدة من أهم الإصلاحات التنظيمية في كأس العالم، وهو ما سنتناوله في التقرير الثالث من هذا الملف.

تم نسخ الرابط