البرتغال تعبر كرواتيا وتضرب موعدا ناريا مع إسبانيا
لم تكن مجرد مباراة في دور الـ32 من كأس العالم 2026، بل كانت واحدة من أكثر مواجهات البطولة إثارة حتى الآن. أكثر من 100 دقيقة من الصراع، وتقلبات درامية في النتيجة، وقرارات حاسمة لتقنية الفيديو، وأرقام تاريخية لكريستيانو رونالدو، ودموع محتملة للوداع الأخير للوكا مودريتش، قبل أن يخطف منتخب البرتغال بطاقة العبور إلى دور الـ16 بفوز صعب على كرواتيا بنتيجة 2-1.
المواجهة التي احتضنتها الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن مجرد صراع على بطاقة التأهل، بل حملت كل عناصر الإثارة الكروية، لتمنح الجماهير واحدة من أكثر مباريات المونديال تشويقًا، وتؤكد أن الأدوار الإقصائية لا تعترف إلا بالتفاصيل الصغيرة.
شوط أول.. سيطرة برتغالية وعجز عن التسجيل
دخل منتخب البرتغال المباراة وهو المرشح الأبرز للتأهل، وفرض سيطرته منذ الدقائق الأولى مستحوذًا على الكرة، مع محاولات متكررة لاختراق الدفاع الكرواتي.
وبرغم تعدد الفرص، اصطدمت الهجمات البرتغالية بتماسك دفاع كرواتيا وتألق حارس المرمى، لينتهي الشوط الأول بالتعادل السلبي، في نتيجة لم تعكس حجم الأفضلية البرتغالية.
في المقابل، اعتمد المنتخب الكرواتي على خبرة لاعبيه في امتصاص الضغط، مع محاولات محدودة عبر المرتدات، دون تشكيل خطورة حقيقية على المرمى البرتغالي.
بيريشيتش يشعل المباراة
مع بداية الشوط الثاني، باغت المنتخب الكرواتي منافسه بهدف قلب موازين اللقاء.
في الدقيقة 53، استغل المخضرم إيفان بيريشيتش هجمة منظمة ليسدد الكرة داخل الشباك، مانحًا كرواتيا التقدم وسط صدمة الجماهير البرتغالية.
الهدف منح رجال المدرب زلاتكو داليتش دفعة معنوية كبيرة، بينما وجد المنتخب البرتغالي نفسه مطالبًا بالعودة سريعًا قبل أن تتعقد الأمور.
رونالدو يكتب التاريخ من علامة الجزاء
لم يتأخر الرد البرتغالي كثيرًا.
بعد مراجعة تقنية الفيديو، احتسب الحكم ركلة جزاء لصالح البرتغال، وسط اعتراضات كرواتية واسعة.
تقدم كريستيانو رونالدو لتنفيذ الركلة، وكعادته لم يهدر الفرصة، ليسجل هدف التعادل ويعيد المباراة إلى نقطة البداية.
لكن الهدف لم يكن عاديًا.
فقد دخل رونالدو تاريخ كأس العالم من أوسع أبوابه، بعدما أصبح أكبر لاعب يسجل هدفًا في الأدوار الإقصائية للمونديال، كما أنه الهدف الأول له في مرحلة خروج المغلوب طوال مسيرته في البطولة، بعد سنوات طويلة من التسجيل في دور المجموعات فقط.
رقم جديد يضاف إلى سلسلة الأرقام الاستثنائية التي صنعها قائد البرتغال طوال مسيرته.
قرار مفاجئ.. خروج رونالدو قبل النهاية
في الدقيقة 81، فاجأ المدرب روبرتو مارتينيز الجميع بإخراج كريستيانو رونالدو والدفع بجونزالو راموس.
قرار أثار الكثير من التساؤلات، خاصة مع أهمية المباراة.
لكن المدرب كان يبحث عن السرعة والحيوية في الدقائق الأخيرة، وهو الرهان الذي أثبت نجاحه لاحقًا.
جلس رونالدو على مقاعد البدلاء يتابع الدقائق الأخيرة بترقب، قبل أن يتحول إلى أول المحتفلين بهدف التأهل.
جونزالو راموس.. البديل الذهبي
عندما كانت المباراة تتجه إلى الأشواط الإضافية، ظهر جونزالو راموس في الوقت المناسب.
في الدقيقة 94، ارتقى مهاجم البرتغال لكرة عرضية متقنة، ليحولها برأسه داخل الشباك معلنًا الهدف الثاني.
هدف أشعل مدرجات الجماهير البرتغالية، وأعاد للأذهان ما قدمه راموس في النسخة الماضية من كأس العالم عندما تألق بصورة لافتة.
دراما حتى الثواني الأخيرة
ظنت البرتغال أن المهمة انتهت.
لكن كرواتيا رفضت الاستسلام.
وفي اللحظات الأخيرة نجح المنتخب الكرواتي في تسجيل هدف التعادل وسط فرحة عارمة.
إلا أن تقنية الفيديو تدخلت مرة أخرى.
وبعد مراجعة طويلة، قرر الحكم إلغاء الهدف بداعي التسلل.
قرار أنهى آمال كرواتيا، وأطلق صافرة النهاية معلنًا تأهل البرتغال وسط اعتراضات كرواتية كبيرة.
تقنية الفيديو تشعل الجدل
كانت تقنية الفيديو أحد أبرز أبطال المباراة.
فهي التي احتسبت ركلة الجزاء للبرتغال.
وهي نفسها التي ألغت هدف التعادل الكرواتي.
المدرب الكرواتي زلاتكو داليتش لم يُخفِ غضبه، معتبرًا أن القرارات التحكيمية أثرت بصورة مباشرة على النتيجة، خاصة في اللقطتين الحاسمتين.
في المقابل، دافع روبرتو مارتينيز عن الحكم، مؤكدًا أن جميع القرارات جاءت صحيحة وفقًا لقوانين اللعبة، وأن تقنية الفيديو طبقت العدالة.
وأشعلت هذه القرارات نقاشًا واسعًا بين الجماهير والمحللين عقب نهاية اللقاء.
ليلة تاريخية لرونالدو
بعيدًا عن التأهل، كانت المباراة محطة جديدة في مسيرة الأسطورة البرتغالية.
حقق كريستيانو رونالدو عدة أرقام تاريخية، أبرزها:
- أكبر لاعب يسجل في الأدوار الإقصائية بتاريخ كأس العالم.
- أول أهدافه في مباريات خروج المغلوب بالمونديال.
- مواصلة تعزيز سجله كأحد أكثر اللاعبين مشاركة وتأثيرًا في تاريخ البطولة.
ورغم استبداله قبل النهاية، لعب دورًا محوريًا في عودة البرتغال للمباراة.
مودريتش.. نهاية أسطورة؟
رغم عدم إعلان اعتزاله الدولي رسميًا، فإن كثيرًا من التقارير اعتبرت أن هذه المباراة قد تكون الظهور الأخير للوكا مودريتش في كأس العالم.
النجم الكرواتي البالغ من العمر 40 عامًا أنهى واحدة من أعظم المسيرات في تاريخ البطولة.
منذ ظهوره الأول عام 2006، قاد منتخب بلاده إلى وصافة كأس العالم 2018، ثم المركز الثالث في نسخة 2022، وكتب اسمه كأحد أفضل لاعبي الوسط في تاريخ كرة القدم.
خروج كرواتيا حمل الكثير من المشاعر، خاصة مع احتمال إسدال الستار على رحلة مونديالية امتدت عقدين كاملين.
البرتغال تخلد ذكرى ديوجو جوتا
بعيدًا عن أجواء المنافسة، شهدت المباراة لقطة إنسانية مؤثرة.
حرص لاعبو البرتغال عقب صافرة النهاية على رفع قميص زميلهم الراحل ديوجو جوتا، إحياءً للذكرى السنوية الأولى لوفاته.
المشهد لاقى تفاعلًا واسعًا داخل الملعب وخارجه، وأكد الترابط الكبير بين لاعبي المنتخب البرتغالي.
مواجهة القرن تقترب
بتأهله إلى دور الـ16، ضرب منتخب البرتغال موعدًا مع منتخب إسبانيا، الذي كان قد اكتسح النمسا بثلاثية نظيفة.
المواجهة المرتقبة ستكون واحدة من أقوى مباريات البطولة، وربما نهائيًا مبكرًا.
على جانب، يقود كريستيانو رونالدو وبرونو فرنانديز وبرناردو سيلفا طموحات البرتغال.
وعلى الجانب الآخر، يظهر الجيل الإسباني الجديد بقيادة لامين يامال، وبيدري، ورودري، وأويارزابال.
مباراة تجمع بين الخبرة والشباب، وبين تاريخ طويل من المنافسة الكروية بين الجارتين.
هل تملك البرتغال طريقًا نحو اللقب؟
رغم صعوبة التأهل، أثبت المنتخب البرتغالي شخصية البطل.
عاد من التأخر.
تحمل الضغوط.
واستغل لحظاته الحاسمة.
لكن مواجهة إسبانيا ستكون الاختبار الحقيقي.
فإذا نجحت البرتغال في عبور أحد أكثر المنتخبات إقناعًا في البطولة، فإن طريقها نحو اللقب سيصبح أكثر واقعية من أي وقت مضى.
أما إذا كررت الأخطاء الدفاعية التي ظهرت أمام كرواتيا، فقد تنتهي الرحلة سريعًا.
وفي كل الأحوال، يبدو أن جماهير كرة القدم على موعد مع واحدة من أقوى قمم كأس العالم 2026، عندما تتواجه البرتغال وإسبانيا في صراع لا يقبل أنصاف الحلول، عنوانه بطاقة التأهل... وطموح الوصول إلى المجد العالمي.