ads
الثلاثاء 14 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

الرشوة لا تصبح حلالًا بتغيير اسمها.. عالم أزهري: كل صورها محرمة ولو سميت "إكرامية" أو "تسهيل"

خلف الحدث

 

حذر الشيخ عبد العزيز النجار، من علماء الأزهر الشريف، من خطورة التهاون في جريمة الرشوة أو محاولة تبريرها بإطلاق مسميات جديدة عليها، مؤكدًا أن تغيير الاسم لا يغيّر الحكم الشرعي، وأن جميع صور الرشوة تبقى محرمة مهما اختلفت الألفاظ المستخدمة لوصفها.

وأوضح النجار أن الشريعة الإسلامية حسمت موقفها من الرشوة بشكل قاطع، باعتبارها من الكبائر التي تفسد الذمم، وتضيع الحقوق، وتنشر الظلم بين الناس، مشيرًا إلى أن انتشار بعض المصطلحات مثل "الإكرامية" أو "التسهيل" أو "الهدية" لا يمكن أن يغيّر من حقيقة الفعل إذا كان الهدف منه الحصول على منفعة أو قضاء مصلحة بغير حق.

الرشوة من أخطر الجرائم الأخلاقية

وخلال لقائه ببرنامج "صباح البلد" المذاع على قناة صدى البلد، أكد الشيخ عبد العزيز النجار أن الرشوة ليست مجرد مخالفة قانونية، وإنما تمثل جريمة أخلاقية ودينية تهدد استقرار المجتمع، لأنها تقوم على تقديم المال أو المنفعة مقابل الحصول على حق ليس لصاحبه أو تسهيل إجراء لا يجوز تقديمه إلا وفق القانون.

وأشار إلى أن الإسلام شدد في تحريم الرشوة لما يترتب عليها من آثار خطيرة، أبرزها ضياع العدالة، وانتشار الفساد الإداري، وإهدار حقوق المواطنين، مؤكدًا أن المجتمع الذي تنتشر فيه الرشوة يفقد قيم النزاهة والمساواة وتكافؤ الفرص.

تغيير الاسم لا يغير الحقيقة

وأوضح عالم الأزهر أن البعض يحاول الالتفاف على الحكم الشرعي من خلال تغيير اسم الرشوة وإطلاق مسميات تبدو مقبولة اجتماعيًا، مثل "إكرامية" أو "مجاملة" أو "هدية"، مؤكدًا أن هذا الأسلوب لا يغيّر من طبيعة الفعل ولا يبدل حكمه.

وقال إن تغيير المسميات لا يبدل الحقائق، مستشهدًا بقاعدة تربى عليها على أيدي شيوخه، وهي أن "كتابة كلمة سكر على الملح لن تغيّر من طعمه شيئًا"، في إشارة إلى أن الحقيقة تبقى كما هي مهما اختلفت الألفاظ المستخدمة.

وأضاف أن العبرة ليست بالاسم، وإنما بالمقصد والغاية، فإذا كانت الأموال أو الهدايا تقدم من أجل التأثير في القرار أو الحصول على منفعة خاصة، فإنها تدخل في نطاق الرشوة المحرمة شرعًا.

تصحيح مفهوم لغوي

وتطرق الشيخ عبد العزيز النجار إلى جانب لغوي يتعلق بكلمة "الرشوة"، موضحًا أن الكلمة تُنطق بالضم أو الفتح أو الكسر، وجميعها صحيحة في اللغة العربية، لكنها تؤدي المعنى ذاته.

وأشار إلى أن من الأخطاء اللغوية المنتشرة استخدام كلمة "رشاوي" باعتبارها جمعًا لكلمة "رشوة"، موضحًا أن هذا الجمع غير صحيح في اللغة العربية، وأن الجمع الصحيح هو "رشا".

وأكد أن الاهتمام بصحة اللغة لا ينفصل عن الاهتمام بصحة المفاهيم، لأن دقة التعبير تسهم في ترسيخ الفهم الصحيح للقضايا المختلفة.

هدايا الموظفين ليست مباحة

وأوضح الشيخ عبد العزيز النجار أن من أخطر صور الرشوة تلك التي تأتي في صورة هدايا تقدم إلى الموظفين أو المسؤولين أثناء أداء أعمالهم، مؤكدًا أن هذه الهدايا لا يجوز قبولها إذا كانت مرتبطة بالوظيفة أو المنصب.

واستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال للعامل الذي تلقى هدية أثناء عمله: "هلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا؟"، مبينًا أن الرسول الكريم أوضح أن الهدية لم تكن ستصل إليه لولا منصبه، ولذلك اعتبرها محرمة.

وأكد أن هذا الحديث يمثل أصلًا شرعيًا مهمًا في التعامل مع الهدايا المرتبطة بالوظائف العامة، لأنها قد تتحول إلى وسيلة للتأثير على القرارات أو تفضيل بعض الأشخاص على حساب غيرهم.

الإسلام يحمي العدالة

وأشار عالم الأزهر إلى أن تحريم الرشوة جاء لحماية العدالة وصيانة الحقوق بين الناس، موضحًا أن الإسلام يقوم على مبدأ المساواة بين الجميع، وأن أي محاولة للحصول على امتياز بطرق غير مشروعة تمثل اعتداءً على هذا المبدأ.

وأضاف أن الموظف أو المسؤول الذي يقبل الرشوة يخل بالأمانة التي كلف بها، كما أن من يقدمها يشارك في نشر الفساد، ولذلك جاءت النصوص الشرعية شديدة في التحذير من الطرفين.

وأوضح أن الرشوة لا تضر فقط بالطرفين المباشرين، بل تمتد آثارها إلى المجتمع بأكمله، لأنها تؤدي إلى تعطيل مصالح المستحقين، وإهدار الكفاءات، وخلق شعور عام بانعدام العدالة.

ضرورة نشر الوعي

ودعا الشيخ عبد العزيز النجار إلى تكثيف جهود التوعية الدينية والأخلاقية بخطورة الرشوة، مؤكدًا أن مكافحة هذه الظاهرة لا تعتمد فقط على العقوبات القانونية، وإنما تحتاج أيضًا إلى ترسيخ القيم الدينية والإنسانية التي ترفض استغلال النفوذ أو شراء الذمم.

وأشار إلى أهمية غرس قيم الأمانة والنزاهة منذ الصغر داخل الأسرة والمدرسة، حتى ينشأ جيل يدرك أن الحصول على الحقوق يجب أن يكون بالطرق المشروعة، وليس عبر تقديم الأموال أو الهدايا أو المجاملات.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن الرشوة ستظل محرمة في جميع صورها وأشكالها، وأن تغيير أسمائها أو تغليفها بمسميات تبدو مقبولة لا يغيّر من حكمها الشرعي، لأن الإسلام ينظر إلى حقيقة الأفعال ومقاصدها، وليس إلى الألفاظ التي تُطلق عليها.

تم نسخ الرابط