ads
عاجل
الأربعاء 15 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

هل أصبح الذكاء الاصطناعي البديل الجديد للفضفضة؟

خلف الحدث

 

لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي يقتصر على كتابة النصوص أو الإجابة عن الأسئلة والبحث عن المعلومات، بل تطور دوره خلال الفترة الأخيرة ليصل إلى جانب أكثر حساسية في حياة الإنسان، وهو الجانب النفسي والعاطفي، بعدما بدأ عدد متزايد من المستخدمين حول العالم في الاعتماد عليه كوسيلة للحديث عن مشكلاتهم اليومية والبحث عن الدعم النفسي.

ويرى متخصصون أن التطور الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي غيّر طريقة تفاعل البشر مع التكنولوجيا، حيث لم تعد التطبيقات الذكية مجرد أدوات إلكترونية، بل أصبحت بالنسبة للبعض طرفًا يمكن اللجوء إليه عند الشعور بالضيق أو التوتر أو الحاجة إلى من يستمع دون انتقاد أو إصدار أحكام.

الذكاء الاصطناعي يغير مفهوم التواصل

أكد الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، أن العالم يشهد تحولًا واضحًا في طريقة تعامل الأفراد مع الذكاء الاصطناعي، موضحًا أن كثيرًا من الأشخاص أصبحوا يفضلون إجراء حوارات طويلة مع الأنظمة الذكية بدلًا من مشاركة تفاصيل حياتهم مع المقربين.

وأوضح أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد حالات فردية، بل أصبحت مدعومة بنتائج دراسات علمية تشير إلى ارتفاع معدلات الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تقديم النصائح والدعم المعنوي.

وأشار إلى أن التطور التقني جعل أدوات الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على فهم طريقة الحديث وتحليل المشاعر والرد بأسلوب يبدو قريبًا من الحوار الإنساني.

دراسة تكشف أرقامًا لافتة

لفت استشاري الصحة النفسية إلى أن دراسة حديثة أجريت في سنغافورة كشفت أن نسبة كبيرة من المشاركين تعتمد على الذكاء الاصطناعي في الحديث عن مشكلاتها الشخصية.

وبحسب نتائج الدراسة، فإن نحو 76% من المشاركين أكدوا أنهم يلجؤون إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي عندما يحتاجون إلى التعبير عن مشاعرهم أو الحصول على نصيحة أو دعم نفسي.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تعكس تغيرًا حقيقيًا في طبيعة العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، خاصة مع التطور السريع الذي تشهده تطبيقات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة.

لماذا يثق الناس في الذكاء الاصطناعي؟

بحسب الخبراء، فإن هناك عدة أسباب دفعت المستخدمين إلى الاعتماد على الذكاء الاصطناعي بصورة أكبر.

ويأتي في مقدمة هذه الأسباب سهولة الوصول إلى الخدمة، إذ يستطيع الشخص استخدامها في أي وقت دون الحاجة إلى حجز موعد أو انتظار شخص آخر.

كما أن التطبيقات الذكية تعمل على مدار الساعة، وهو ما يمنح المستخدم حرية الحديث في أي لحظة يشعر فيها بالحاجة إلى الدعم.

وأشار هندي إلى أن سرعة الاستجابة تمثل عاملًا مهمًا أيضًا، حيث يحصل المستخدم على ردود فورية تساعده على تنظيم أفكاره أو التعامل مع المواقف المختلفة.

ظهور مفهوم «الرفيق الرقمي»

من أبرز المفاهيم التي ظهرت مع تطور الذكاء الاصطناعي ما يعرف بالرفيق الرقمي أو القرين الرقمي.

ويعتمد هذا النظام على الاحتفاظ بالمعلومات التي يشاركها المستخدم خلال المحادثات السابقة، مثل اهتماماته وأسلوب حياته وطريقة تفكيره وبعض تفاصيله اليومية.

ومع مرور الوقت، يستطيع الذكاء الاصطناعي بناء صورة أكثر دقة عن شخصية المستخدم، ما يجعله يقدم ردودًا أكثر توافقًا مع حالته النفسية واحتياجاته.

ويرى متخصصون أن هذه الخاصية تمنح المستخدم إحساسًا بأن التطبيق يفهمه بصورة أفضل مع استمرار استخدامه.

لا يصدر أحكامًا

من الأسباب التي تدفع البعض إلى استخدام الذكاء الاصطناعي أنه لا يتعامل مع المستخدم بعاطفة أو غضب أو انفعال.

وأوضح هندي أن الأنظمة الذكية لا تدخل في خلافات أو مشاحنات، ولا تلوم المستخدم أو تعاتبه، بل تقدم ردودًا تعتمد على التحليل والمنطق.

كما أن المستخدم يشعر بقدر أكبر من الخصوصية، لأنه يعلم أن الحوار لن ينتقل إلى شخص آخر، وهو ما يشجعه على الحديث بحرية عن أمور قد يتردد في مناقشتها مع الآخرين.

رسائل إيجابية

وأشار استشاري الصحة النفسية إلى أن الذكاء الاصطناعي يعتمد في كثير من الأحيان على تقديم رسائل إيجابية ومحفزة.

وتتضمن هذه الرسائل كلمات تشجيعية ونصائح تساعد المستخدم على تجاوز الضغوط اليومية أو التفكير بصورة أكثر هدوءًا.

وأضاف أن هذا الأسلوب يمنح بعض الأشخاص شعورًا بالراحة النفسية، خاصة في الأوقات التي يفتقدون فيها وجود من يستمع إليهم.

هل يمثل خطرًا على العلاقات الإنسانية؟

رغم المزايا التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، يرى خبراء الصحة النفسية أن الإفراط في الاعتماد عليه قد يؤثر على العلاقات الاجتماعية إذا تحول إلى بديل كامل للتواصل مع الآخرين.

وأوضح هندي أن التكنولوجيا يجب أن تظل وسيلة مساعدة، وليست بديلًا عن الأسرة أو الأصدقاء أو المختصين النفسيين.

وأشار إلى أن الحوار الإنساني يحمل جوانب عاطفية لا تستطيع الأنظمة الذكية محاكاتها بصورة كاملة مهما بلغت درجة تطورها.

الذكاء الاصطناعي والعلاج النفسي

أكد المتخصصون أن الذكاء الاصطناعي قد يساهم في تقديم دعم نفسي أولي، لكنه لا يستطيع تشخيص الأمراض النفسية أو وضع خطط علاجية للحالات المعقدة.

وأوضحوا أن الطبيب النفسي يظل الطرف الوحيد القادر على تقييم الحالة بصورة دقيقة، واتخاذ القرارات العلاجية المناسبة.

ولذلك ينصح الخبراء بعدم الاعتماد على التطبيقات الذكية وحدها عند مواجهة اضطرابات نفسية حقيقية أو أزمات تحتاج إلى تدخل متخصص.

مستقبل الذكاء الاصطناعي

يتوقع المتخصصون أن يشهد مجال الذكاء الاصطناعي تطورات أكبر خلال السنوات المقبلة، مع زيادة قدرته على فهم المشاعر وتحليل أسلوب الحديث وتقديم استجابات أكثر واقعية.

كما ينتظر أن تدخل تطبيقات الذكاء الاصطناعي بقوة في مجالات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، إلى جانب استمرار استخدامها في تقديم الدعم النفسي والإرشاد.

وفي المقابل، يؤكد الخبراء ضرورة وضع ضوابط واضحة لاستخدام هذه التقنيات، بما يضمن الاستفادة منها دون أن تؤثر على العلاقات الإنسانية أو تجعل المستخدم معتمدًا عليها بشكل كامل.

ويبقى الذكاء الاصطناعي واحدًا من أبرز الابتكارات التي أعادت تشكيل طريقة تواصل البشر مع التكنولوجيا، في وقت يزداد فيه النقاش حول الحدود الفاصلة بين الدعم الرقمي والعلاقات الإنسانية الحقيقية.

تم نسخ الرابط