ads
الخميس 16 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

الفاو: ارتفاع تكلفة الغذاء الصحي بنسبة 25% يهدد أمن ثلث البشرية

خلف الحدث

كشفت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) في تقريرها الأخير عن أزمة عالمية متفاقمة تتعلق بالأمن الغذائي، حيث أظهرت البيانات ارتفاعاً حاداً في تكلفة النظام الغذائي الصحي بنسبة وصلت إلى 25% خلال السنوات الخمس الماضية، مما جعل الحصول على غذاء متوازن يفتقر إليه نحو ثلث سكان العالم، وهو ما ينذر بمخاطر صحية واجتماعية جسيمة على المدى البعيد.

أشار تقرير "حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026" إلى أن متوسط تكلفة النظام الغذائي الصحي قد وصل إلى 4.28 دولار للفرد يومياً بناءً على تعادل القوة الشرائية، وهي زيادة ملحوظة مقارنة بالمستويات التي كانت سائدة قبل خمس سنوات، حيث أكد ماكسيمو توريرو كولين، كبير الاقتصاديين في المنظمة، أن نحو 2.69 مليار شخص يعجزون حالياً عن توفير هذه التكلفة الضرورية لحياتهم اليومية.

التفاوت في تكاليف مكونات الغذاء وتحديات التوفير

أوضح التقرير أن هناك تفاوتاً كبيراً في تكلفة المكونات الغذائية، إذ تستحوذ المنتجات الحيوانية على الجزء الأكبر من التكلفة بنسبة تقترب من 30%، بينما تشكل الفواكه والخضروات 16%، في حين لا تمثل الحبوب والبقول الأساسية سوى 13% من التكلفة الإجمالية، وهو ما يعكس التحدي الكبير في توفير العناصر الغذائية الغنية والمفيدة بأسعار معقولة للجميع.

شدد توريرو على أن المشكلة الجوهرية في العالم اليوم لم تعد تتعلق بنقص الإنتاج الكلي من السعرات الحرارية، بل تكمن في ضعف القدرة على توفير الأغذية ذات القيمة الغذائية العالية بأسعار تنافسية ومتاحة للمستهلكين، حيث يرى أن الحل يكمن في تعزيز الإنتاج المحلي بدلاً من الاعتماد على سلاسل الإمداد العالمية التي ترفع الأسعار بشكل غير مبرر.

استراتيجيات خفض تكاليف الغذاء ودور الحكومات

أكد الخبراء أن زيادة الإنتاج المحلي للأغذية يمكن أن تسهم في خفض تكلفة النظام الغذائي الصحي بشكل هائل، حيث أظهرت الدراسات أن الاعتماد على المنتجات المحلية في أفريقيا على سبيل المثال قد يقلص التكلفة بنسبة تصل إلى 80% مقارنة بالاعتماد على سلة غذائية عالمية موحدة تعتمد على الاستيراد، مما يضع ضرورة ملحة أمام الحكومات لإعادة توجيه الدعم الزراعي.

دعت منظمة الفاو صانعي القرار والأنظمة السياسية إلى ضرورة إعادة توجيه الدعم الزراعي ليشمل المحاصيل الأعلى قيمة غذائية بدلاً من التركيز حصراً على الحبوب التقليدية مثل الأرز والقمح، مع التأكيد على أهمية الاستثمار العاجل في البنية التحتية، وسلاسل الإمداد، والخدمات اللوجستية التي تستهلك وحدها ما بين 70% إلى 75% من إجمالي التكلفة النهائية للمنتجات الغذائية.

عوائق جغرافية ومخاطر تهدد مستقبل الأمن الغذائي

يُسجل التقرير أن منطقة أمريكا اللاتينية، وبشكل خاص دول البحر الكاريبي، تواجه أعلى تكاليف للنظام الغذائي الصحي في العالم، وهو ما يعزوه الخبراء إلى توجه تلك الدول نحو تصدير المنتجات الغذائية بدلاً من التركيز على زيادة المعروض المحلي الذي من شأنه أن يسهم بشكل مباشر في خفض الأسعار لصالح المستهلك المحلي داخل هذه البلدان.

حذر التقرير الأممي من عاملين رئيسيين قد يؤديان إلى موجة ارتفاع جديدة في أسعار الغذاء خلال العام المقبل، أولهما اضطراب إمدادات الأسمدة عالمياً نتيجة استمرار التوترات في مضيق هرمز، وثانيهما التأثيرات المناخية المتوقعة لظاهرة "النينيو" القوية التي من المتوقع أن تصل إلى ذروتها بنهاية عام 2026، وهو ما قد يسبب تراجعاً كبيراً في الإنتاج الزراعي العالمي.

ضرورة التغيير: نحو أنظمة غذائية مرنة ومستدامة

إن الاستمرار في تجاهل هذه الأزمات الصامتة يهدد بشكل مباشر الموارد الطبيعية والأراضي الرطبة التي تعد ركيزة أساسية لاستدامة الإنتاج الزراعي، حيث فقد كوكب الأرض حوالي 22% من أراضيه الرطبة، مما يقلل من قدرة النظم البيئية على توفير موارد الغذاء والماء اللازمة للبشرية في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي تجتاح مناطق واسعة من العالم.

في نهاية المطاف، يتطلب تأمين غذاء صحي وميسور التكلفة لمليارات البشر تحركاً دولياً منسقاً يعالج جذور الأزمة، بدءاً من تحديث سياسات الدعم الزراعي، ووصولاً إلى تعزيز سلاسل القيمة المحلية وتخفيف الأعباء اللوجستية، لضمان ألا تظل التغذية السليمة رفاهية لا يستطيع تحملها إلا فئة محدودة من سكان هذا الكوكب، بينما يعاني البقية تحت وطأة نقص الخيارات المتاحة.

تم نسخ الرابط