خام غرب تكساس يقترب من ذروة جديدة مع استمرار الهجمات المتبادلة
تشهد أسعار النفط العالمية موجة صعود قوية لليوم الرابع على التوالي، حيث سجلت العقود الآجلة ارتفاعاً ملحوظاً في تداولات الخميس، مدفوعة بتجدد الهجمات الأمريكية على مواقع عسكرية إيرانية، مما أثار مخاوف الأسواق الدولية من احتمالية اندلاع صراع شامل يؤدي إلى تعطل حركة إمدادات الطاقة الحيوية عبر مضيق هرمز الاستراتيجي.
تأتي هذه القفزة السعرية عقب تنفيذ الولايات المتحدة ضربات دقيقة استهدفت دفاعات ومواقع صواريخ ساحلية إيرانية، وهو التحرك الذي جاء رداً على إعادة فرض حصار بحري من قبل طهران على الموانئ الإيرانية، مما دفع إيران للإعلان عن أنها تخوض "حرب بقاء" مع واشنطن، مهددة بعرقلة صادرات الطاقة من منطقة الخليج بشكل كامل.

تجدد الصراع في الشرق الأوسط ومخاطر إغلاق الممرات المائية
أدى تجدد الأعمال القتالية بين الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي إلى انهيار وقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل إليه في يونيو الماضي، حيث يشير محللون استراتيجيون إلى أن طهران قد تلجأ إلى تفعيل حلفائها الحوثيين في اليمن لإغلاق مضيق باب المندب، وهو ما يفتح جبهة جديدة بالغة الخطورة تجعل ممرات الطاقة العالمية في مهب الريح.
يمر عبر مضيق هرمز وحده ما يقرب من خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، ومع تفاقم اضطراب الإمدادات بسبب الهجمات المتبادلة، أصبحت الأسواق في حالة استنفار دائم، حيث يراقب المتعاملون بدقة أي تحرك عسكري قد يترجم مباشرة إلى قفزات حادة في أسعار البراميل العالمية التي تعاني بالفعل من ضغوط جيوسياسية متراكمة.
مؤشرات أسعار الخام في التداولات الفورية
سجلت العقود الآجلة لخام برنت ارتفاعاً جديداً بنحو 33 سنتاً لتصل إلى مستوى 85.28 دولار للبرميل، بينما لحقت بها العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي مسجلة زيادة قدرها 42 سنتاً لتبلغ 80.02 دولار للبرميل، مما يضع كلا الخامين بالقرب من أعلى مستوياتهما المسجلة خلال شهر كامل وسط سيطرة واضحة لعمليات الشراء الوقائي.
يؤكد هيرويوكي كيكوكاوا، المحلل الاقتصادي في "نيسان سكيوريتيز إنفستمنت"، أن عمليات الشراء أصبحت هي السمة السائدة في الأسواق مع تصاعد التوترات، مشيراً إلى أنه رغم استمرار جهود الوساطة الإقليمية، إلا أن السيناريوهات مفتوحة على كافة الاحتمالات، حيث قد يتجاوز سعر خام غرب تكساس حاجز الـ 87 دولاراً إذا ما استمرت وتيرة الصراع في التصاعد.
رؤية بنك غولدمان ساكس لمستقبل أسواق الطاقة
قدم بنك غولدمان ساكس تحليلاً مفصلاً لمسار أسعار النفط، مرجحاً أن يتجاوز خام برنت سقف الـ 110 دولارات للبرميل خلال الربع الرابع من العام إذا استمر تعثر تعافي صادرات الخليج، بينما لم يستبعد البنك انخفاض الأسعار إلى مستويات تتراوح بين 60 و69 دولاراً بحلول نهاية العام في حال نجحت الجهود الدبلوماسية في خفض حدة التوتر وتعافي الإنتاج.
من جانب آخر، كشفت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية عن انخفاض مخزونات النفط الخام بمقدار 1.7 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 10 يوليو، وهو انخفاض جاء أقل من توقعات المحللين التي كانت تشير إلى سحب 2.6 مليون برميل، مما يضيف عاملاً إضافياً من الضغط على الأسعار التي تترقب بشغف أي توازن جديد بين العرض والطلب العالمي.
تداعيات "حرب البقاء" على استقرار الاقتصاد العالمي
إن استمرار التهديدات بإغلاق مضيق هرمز وباب المندب لا يمثل فقط تحدياً لأسعار النفط، بل يهدد استقرار سلاسل التوريد العالمية برمتها، حيث تعتمد دول كبرى في آسيا وأوروبا على التدفق المستمر لهذه الإمدادات، مما يجعل من أي تعطل طويل الأمد كارثة اقتصادية قد تجبر البنوك المركزية على مراجعة سياساتها النقدية لمواجهة التضخم الناتج عن ارتفاع تكاليف الطاقة.
في ظل هذه المعطيات المتغيرة، تظل أعين المستثمرين معلقة على التطورات الميدانية في الشرق الأوسط أكثر من تركيزها على البيانات الاقتصادية التقليدية، حيث إن "جيوسياسية النفط" هي التي تحكم مسار الأسعار اليوم، مما يجعل التنبؤ باتجاه السوق عملية محفوفة بالمخاطر وتتطلب متابعة لحظية لكافة التحركات العسكرية والسياسية التي قد تندلع في أي وقت.
ختاماً، يتضح أن المسار القادم لأسعار النفط يظل رهينة لمدى التزام الأطراف بخفض التصعيد، إذ إن أي شرارة جديدة قد تعيد تشكيل خارطة الطاقة العالمية وتدفع الأسعار نحو أرقام قياسية غير مسبوقة، مما يجعل العالم في مرحلة انتقالية حرجة لا تقبل فيها أسواق الطاقة بهامش للخطأ في الحسابات العسكرية أو الدبلوماسية.